خالد بن سالم الغساني
منذ أيام قلائل، بعث لي أحد الأصدقاء بصورة قديمة للصفحة الأولى من جريدة «السياسة» الكويتية العدد رقم 4232 الصادر بتاريخ 20 أبريل 1980، تحمل عنوانًا رئيسيًا يُحذر من أنَّ إغلاق مضيق هرمز قد يقود إلى حرب عالمية ثالثة، وهو تحذير لم يكن مبالغًا فيه في سياق زمنه؛ فقد جاءت تلك اللغة في لحظة تاريخية مشحونة، أعقبت الثورة الإيرانية ووسط تصاعد التوترات التي انفجرت لاحقًا، في الحرب العراقية الإيرانية؛ حيث تحوّل الخليج إلى ساحة صراع مفتوحة، وكان مضيق هرمز قلبها النابض.
لتتشابه الأحداث آنذاك مع ما يجري اليوم؛ فالمضيق يُمثل شريانًا حيويًا يمر عبره جزء كبير من نفط العالم، ما جعل أي تهديد له بمثابة تهديد مباشر للاقتصاد الدولي، ولذلك ارتبط اسمه آنذاك بمخاوف الانفجار الكبير، خاصة في ظل عالم منقسم تحت ظلال الحرب الباردة، حيث كان أي اشتباك إقليمي قابلًا للتحول إلى مواجهة عالمية. واليوم، وبعد عقود، يبدو المشهد بشكل مقلق؛ فالمضيق نفسه لا يزال يحتفظ بقيمته الاستراتيجية ذاتها، بل ربما ازدادت أهميته مع تعقّد الاقتصاد العالمي واعتماده المتزايد على استقرار الطاقة.
التوترات الحالية، وإن اختلفت أطرافها وتوازناتها، تعود لتضع مضيق هرمز في دائرة الضوء بوصفه نقطة ضغط جيوسياسية يمكن أن تؤثر في العالم بأسره خلال أيام. وكما في الماضي، فإنَّ الحديث عن إغلاقه أو تهديد الملاحة فيه، يُقرأ كإشارة إلى اضطراب عالمي محتمل، حيث ترتفع أسعار النفط، وتُختبر قدرة الدول على حماية مصالحها، وتظهر هشاشة الترابط الاقتصادي الدولي.
وفي هذا السياق، يتجدد اليوم مشهد العدوانية بوضوح أشد؛ حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا عدوانيةً على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بينما يتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابًا يقوم على استعراض القوة وفرض الإرادة، ويبرز في هذا الإطار الى جانب بنيامين نتنياهو بوصفهما نموذجين لسياسة متخمة بثقة القوة وحدودها في آنٍ واحد. هذا الخطاب، الذي يقوم على فكرة أنَّ امتلاك أدوات القوة يعني امتلاك العالم، اصطدم بواقع مختلف حين واجه ردًا إيرانيًا تجاوز حساباته، وأظهر أنَّ موازين القوة ليست مطلقة كما يُتصوّر. لقد بدت تلك المُقاربة وكأنها اندفاع متعجل نحو فرض الهيمنة، لكنها انتهت إلى كشف حدودها؛ حيث لم يتحقق الحسم، بل انكشفت هشاشة هذا التصور أمام قدرة الطرف الآخر على الصمود والردع. ومن هنا، يجد هذا النهج نفسه أمام مأزق حقيقي، يدفعه إلى البحث عن مخارج تحفظ ما تبقى من صورته، بعد أن تآكلت هيبته التي حاول ترسيخها عبر التصعيد.
غير أن ما يُميِّز المقارنة بين المرحلتين ليس فقط التشابه في الموقع أو في طبيعة التهديد، بل في مآلات الصراع؛ فالحرب العراقية الإيرانية، رغم طولها وقسوتها، انتهت دون حسم واضح، لكنها كرّست حقيقة أساسية، وهي أنَّ استهداف المضيق أو تهديده لا يُمكن أن يستمر طويلًا دون تدخل دولي مباشر أو غير مباشر لضمان بقائه مفتوحًا. ومنذ ذلك الحين، أصبح مضيق هرمز منطقة تخضع لرقابة واهتمام عالمي دائم، وتحوّل إلى خط أحمر غير مُعلن؛ يُسمح بالتصعيد حوله، لكن لا يُسمح بانهياره الكامل. هذا الإرث التاريخي هو ما يُفسِّر إلى حد كبير سلوك القوى اليوم؛ حيث تتكرر التهديدات، لكن ضمن حدود محسوبة، لأنَّ الجميع يُدرك أنَّ إغلاق المضيق ليس خطوة عسكرية غير محسوبة، بقدر ما هي مقامرة أيضًا قد تُعيد تشكيل النظام العالمي بأسره.
وهكذا.. فإنَّ قراءة ذلك العنوان القديم لا تبدو كاستعادة لذكرى بعيدة، بل كمرآة تعكس حاضرًا لم يتغير جوهره كثيرًا؛ حيث يظل مضيق هرمز نقطة التقاء بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، وحيث يتكرر السؤال ذاته عبر الزمن، إلى أي مدى يمكن للعالم أن يتحمل اضطراب هذا الشريان دون أن ينزلق إلى أزمة أكبر؟ وحيث يبدو الاستعمار يُعيد إنتاج نفسه بثياب جديدة وعدوانية أكثر غطرسة وهمجية.
