الوطن أولًا

 

 

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

ليس حبُّ الوطن كلمةً تُقال في مناسبة، ولا حماسةً عابرة تُستحضر في لحظة ثم تنطفئ. فالوطن لا يُحَبّ بما نردده عنه، بل بما نحفظه له: في أمنه، ووحدته، وممتلكاته، وفي صورته التي نريدها أن تبقى نقيةً في أعين أبنائنا. وحين يكون الوطن حاضرًا في ضمير الإنسان، يظهر في سلوكه قبل صوته، وفي مسؤوليته قبل شعاره.

الوطن لا يبدأ من الحدود وحدها، بل يمتد أيضًا إلى التفاصيل التي نعيشها كل يوم. يبدأ من شارعٍ نصونه، ومرفقٍ عام نحترمه، ونظامٍ نلتزم به، وعملٍ نؤديه بإخلاص، وكلمةٍ لا نسمح لها أن تجرح استقرار مجتمعنا أو تُضعف ثقته بذاته. وحين يفهم الإنسان أن ما حوله ليس شيئًا بعيدًا عنه، بل جزءًا من وطنه، تتغير علاقته بالمكان، ويتحول الانتماء من معنى جميل إلى ممارسةٍ واضحة.

ومن هنا، فإنَّ المحافظة على الممتلكات العامة ليست شأنًا ثانويًا، ولا سلوكًا شكليًا يُمدَح فحسب، بل هي اختبار حقيقي لصدق الانتماء. فالعبث بمرفقٍ عام، أو الإهمال في التعامل مع خدمةٍ مشتركة، لا يُفسد حجرًا أو مقعدًا أو طريقًا فقط، بل يكشف خللًا في فهم معنى الوطن نفسه. فالممتلكات العامة ليست ملكًا مجهولًا، بل حقٌّ للجميع، وواجبٌ على الجميع.

ومن أصدق صور حب الوطن، أن نحمي أمنه واستقراره، لا بالكلمات وحدها، بل بالوعي، والمسؤولية، والابتعاد عن كل ما يزرع الفوضى، أو يغذي الانقسام، أو يُضعف الثقة. فالأمن ليس حالة عابرة، ولا واقعًا يدوم تلقائيًا، بل نعمة عظيمة تقف خلفها جهود كبيرة، ومؤسسات تعمل، وعيون ساهرة، وعدالة تصون الحقوق، وتمنح الناس طمأنينة الحياة. ومن يعرف قيمة هذه النعمة، لا يستهين بكل ما قد يمسها، ولو كان كلمةً طائشة أو سلوكًا غير مسؤول.

والوطن لا يضعف فقط حين تُهدَّد حدوده، بل يضعف أيضًا حين تتآكل وحدته من الداخل. لذلك، فإن حماية الوطن تعني كذلك حماية نسيجه الاجتماعي، وتعزيز روح التماسك بين أبنائه، وتقديم الانتماء الوطني على كل ولاءٍ ضيق، وكل خلافٍ صغير، وكل صوتٍ يحاول أن يجعل الفرقة أكبر من المشتركات. فالأوطان لا تبقى قويةً بالقوانين وحدها، بل حين يشعر الناس أنهم أسرةٌ واحدة في المصير، وشركاء في الخير، وحماةٌ لبيتٍ واحد.

ولهذا، فإنَّ غرس حب الوطن في الأبناء لا يبدأ من الخطب الطويلة، بل من المشهد اليومي الذي يرونه أمامهم. يتعلم الأبناء حب الوطن حين يرون احترام النظام، والمحافظة على الممتلكات العامة، والاعتزاز بالهوية، والتقدير الصادق لما ينعمون به من أمنٍ واستقرار. ويترسخ ذلك فيهم حين يسمعون حديثًا مسؤولًا عن وطنهم، ويشاهدون سلوكًا يترجم هذا الحديث في الواقع. فالأبناء لا يتربون على المعاني الكبرى بما يُقال لهم فقط، بل بما يُقدَّم أمامهم كل يوم دون ضجيج.

ولا يعني تقديم الوطن أولًا أن نغفل ما يحتاج إلى تطوير، أو أن نكتفي بمديحٍ لا يصنع أثرًا. فحب الوطن الصادق لا يناقض النقد الواعي، بل يهديه إلى غايته. والمواطن الحقيقي ليس من يصفق لكل شيء، ولا من يهدم الثقة في كل شيء، بل من يعرف كيف يفرح بالمنجز، ويحافظ عليه، ويطالب بالأفضل بروحٍ مسؤولة، وكلمةٍ منصفة، ووعيٍ يدرك أن الإصلاح نفسه شكلٌ من أشكال الوفاء للوطن.

وفي النهاية.. يبقى الوطن أكبر من أن يُختصر في عبارة، وأعمق من أن يُختزل في مناسبة. إنه البيت الذي تتسع فيه ذاكرتنا، والأرض التي تمشي عليها أحلامنا، والأمان الذي لا نعرف قيمته كاملة إلا حين نرى كيف يفتقده غيرنا. لذلك، حين نقول: الوطن أولًا، فلا ينبغي أن تكون مجرد جملة جميلة، بل عهدًا أخلاقيًا يظهر في سلوكنا، وتحمله أيدينا كما تحمله قلوبنا، ونورّثه أبناءنا كما نورّثهم الاسم والانتماء.

الأكثر قراءة

z