الوطن لا يُباع.. بين الوفاء وطعنات الخيانة

 

 

 

ناصر بن حمد العبري

 

قيمة الإنسان الحقيقية لا تُقاس بما يملك من مال ولا بجواز سفر يحمله، بل بمقدار وفائه لأرضه التي نشأ عليها، وقيادته التي رعته، وشعبه الذي شاركه الحياة في السراء والضراء. فالوطن ليس حدودًا مرسومة على الخريطة يمكن التنصل منها، ولا وثيقة تُبدّل عند أول مصلحة عابرة.

هو تاريخ متجذر في النفوس، وهوية تصون الكرامة، وبيت كبير يجمع أبناءه مهما اختلفت الظروف وضاقت السبل. من تربى على خير الوطن ونهل من نعمه ثم اختار أن يبيع انتماءه مقابل مكاسب مُؤقتة، لم يخسر وطنه فحسب، بل خسر احترامه لنفسه قبل كل شيء. وأوجع ما تواجهه الشعوب ليس عداوة الغرباء المعلنة، بل خيانة من حملوا اسم الوطن يومًا ثم انقلبوا عليه عندما أغرتهم المصالح الضيقة والأموال المشبوهة أصبحوا مثل النواحات في منصات التواصل الاجتماعي. هؤلاء ظنوا أن المال قادر على شراء الضمائر، وأن الأصوات المأجورة تصنع لهم مكانة وهيبة، فتناسوا أن الشعوب لا تنسى، وأن التاريخ لا يرحم من طعن وطنه من الخلف.

الوطن الذي احتضن أبناءه وفتح لهم أبواب العيش الكريم لا يستحق أن يُقابل بالجحود والإساءة والتشويه، لأن من يفعل ذلك يهدم جسرًا كان هو أول من يعبره وقت الحاجة. وفي المقابل تظل سلطنة عُمان نموذجًا يحتذى في الحكمة والاستقرار والتسامح، بقيادة حكيمة وضعت الإنسان العماني في مقدمة أولوياتها، وسعت دائمًا إلى ترسيخ الأمن والكرامة والعيش الكريم لكل مواطن ومقيم على أرضها.

الأجهزة الأمنية العمانية أثبتت عبر السنوات كفاءة عالية ويقظة مستمرة في حماية الوطن وصون استقراره والتصدي لكل من يحاول العبث بأمن المجتمع أو الإضرار بوحدته الوطنية، وهي تعمل وفق القانون وباحترافية توازن بين الحزم والحكمة، وبين حفظ الأمن ومراعاة القيم الأصيلة التي عُرف بها المجتمع العماني من كرم وتسامح وحفظ للأعراض.

ولولا حكمة القيادة ورجاحة مؤسسات الدولة لكان التعامل مع كثير من هذه الفئات أكثر صرامة، إلا أن مراعاة النسيج الاجتماعي والعادات العمانية الأصيلة واحترام أسر هؤلاء وأهاليهم جعلت الدولة تتعامل بصبر ومسؤولية، إيمانًا منها بأن باب العودة إلى الحق يجب أن يبقى مفتوحًا لمن أراد مراجعة نفسه والعودة إلى صف وطنه بدل أن يُدفع إلى طريق الندم.

إن الاختلاف في الرأي حق مشروع، والنقد البناء دليل وعي وحرص على الصالح العام، لكن هناك فرقًا شاسعًا بين النقد الشريف الذي يبني ولا يهدم، وبين الخيانة الرخيصة التي تُباع لمن يدفع أكثر؛ فالأوطان لا تُبنى بالأصوات المأجورة ولا بالشعارات المستوردة، بل تُبنى بالمخلصين الذين يقفون مع وطنهم وقت الشدة قبل الرخاء، ويقدمون مصلحة الجماعة على مصالحهم الشخصية.

سيظل الوطن شامخًا بأبنائه الأوفياء، وبقيادته الحكيمة، وبأجهزته الأمنية الساهرة على أمنه واستقراره، أما الذين باعوا ضمائرهم من أجل مصالح زائلة، فسيكتشفون يومًا أن المال ينتهي، والمصالح تتبدل، لكن عار الخيانة يبقى محفورًا في الذاكرة والتاريخ لا يمحوه زمن ولا تجمله مبررات.

الأكثر قراءة

z