لماذا التناقض بين القانون الدولي وتطبيقه؟

 

 

 

د. عبدالله الأشعل **

القانون الدولي هو القواعد التي تضعها الدول في السلم والحرب، وهدف القانون الدولي ضبط حركة المجتمع الدولي أي مجتمع الدول، كما أن القانون الداخلي يهدف إلى ضبط حركة المجتمع الداخلي.

والمجتمع الداخلي هو الذي يضع القانون الداخلي، ولكن لابد أن يطابق القانون الدولي، فأي قانون داخلي يناقض القانون الدولي باطل. والملاحظ أنَّه في هذه المرحلة فإنَّ المشرعين الوطنيين في البرلمانات الوطنية لا بُد أن يدركوا أن التشريع الداخلي لا يتناقض مع القانون الدولي، وساحة الفصل في هذا الموضوع هو القضاء الداخلي والدولي. فإذا أضيرت دولة أجنبية من التشريع الداخلي في دولة أخرى جاز لها أن تلجأ إلى القضاء الدولي لكي يبطل هذا التشريع.

كذلك إذا تناقضت اتفاقية مع مبادئ القانون الدولي المعروفة والتي تكرست عبر القرون واحترمها المجتمع الدولي، فإن هذه الاتفاقية يحكم القضاء الداخلي والإقليمي ببطلانها. ومثال ذلك أن المحكمة العليا التابعة للاتحاد الأوروبي قضت ببطلان المعاهدات التي أبرمتها الدول الأوروبية مع المغرب لاستغلال ثروات إقليم الصحراء؛ حيث إن هذا الإقليم أجنبي عن المغرب، ومن حق الشعب الصحراوي أن يستغل ثرواته.

وهذا الحكم بُني على أساس سيادة الدولة على أراضيها، كما بُني على أساس قرار محكمة العدل الدولية عام 1975 الذي أكد أن المغرب لا علاقة له تاريخيًا بإقليم الصحراء الغربية.

ولكن الدول الكبرى عادة لا تحترم القانون الدولي إلا نادرًا عندما تكون مصلحتها في احترام هذا القانون. وعلى سبيل المثال فإن أمريكا ادعت على ليبيا أمام محكمة العدل الدولية عام 1988 أن ليبيا أسقطت فوق لوكربي في إنجلترا طائرة الخطوط الجوية الأمريكية وكان على متنها 200 راكب أمريكي، فاستخدمت أمريكا القوة ضد ليبيا لتنفيذ هذا القرار، وانتهى الأمر بترجمة الأقوال والمزاعم الأمريكية إلى تعويضات من ليبيا، وكان الوسيط هو جنوب إفريقيا.

وبعد عشرات السنوات تبين أن القضية ضد ليبيا مفبركة، ولكن أمريكا استخدمت القانون الدولي لدعم موقفها المزعوم وحصلت على الأموال الليبية، وتبين أن القضية كلها كانت ابتزازًا أمريكيًا بريطانيًا من ليبيا.

والخلاصة أن مبادئ القانون الدولي واضحة وتخص القانون، ولكن تنفيذها حسب قوة الدولة المدعية. ويترتب على ذلك أن قواعد القانون الدولي تنتمي إلى القانون، ولكن تنفيذها ينتمي إلى العلاقات الدولية السياسية، ولذلك فإن بعض الدول تجمع في الدراسة الجامعية بين القانون الدولي والعلاقات الدولية رغم أن القانون الدولي يعتبر من 3 ملطفات لنظرية الصراع التي تحكم العلاقات الدولية.

والملطفات هي إلى جانب القانون الدولي المجاملة الدولية والأخلاق الدولية، وهذه الملطفات أحيانًا تحد من حدة النتائج التي تترتب على استخدام القوة في العلاقات الدولية أي نظرية الصراع. ومثال آخر في الفترة الأخيرة عندما حشدت الولايات المتحدة أساطيلها وحاملات طائراتها وحاصرت الشواطئ الإيرانية وأعلنت أنه لكي يزول التهديد الأمريكي على إيران يجب أن تمتثل وتخضع للإملاءات الأمريكية. وبالطبع فإن استخدام القوة أو التهديد بها محظور في ميثاق الأمم المتحدة، ولا يمكن فرض اتفاقية بالإجبار من دولة لأخرى، ولكن في نظريات العلاقات الدولية هذا مباح، فكيف نوفق بين العلاقات الدولية والقانون الدولي؟ 

الحقيقة أنه لا بُد من دراسة الاثنين معًا لأن الواقع يختلف عن النظرية، ولذلك فإن الدول الصغيرة هي التي تعاني في المجتمع الدولي، ومن مصلحتها أن يسود القانون.

أما القانون الدولي الإنساني بفروعه المختلفة، فإن عقوبة المخالفة فيه خصوصًا المتحاربين فورية في الميدان إذا كان الجيش الآخر يستطيع أن يعاقب المخالفين من المقاتلين في الجيش الآخر، ولكن هذه العقوبة أيضًا يجب أن تنسجم مع القانون الدولي.

وفي البداية منذ العصور السحيقة كانت مبادئ القانون الدولي الإنساني لا يحترمها الأقوياء، كما أن هذا الوضع زاد المعاناة للمقاتلين، وهنا عظمة الشريعة الإسلامية.

وعلى سبيل المثال، فإنَّ اتفاقات جنيف الأربعة تضبط سلوك المتحاربين برًا وبحرًا وجوًا، أما الاتفاقية الرابعة فإنها مخصصة لحماية المدنيين في الصراعات المسلحة وتحت الاحتلال الحربي، ولذلك فإن إسرائيل لا تدخل فيها رغم أنها طرف في الاتفاقية الرابعة، لكن الملاحظ أن إسرائيل تريد أن تجسد المشروع الصهيوني وهدفه الاستحواذ على كل فلسطين وطرد أهلها وإبادتهم، فليست هذه حالة الاحتلال الحربي لأن الاحتلال الحربي يسبقه صراع مسلح بين جيوش رسمية، والاحتلال الحربي بطبيعته مؤقت. أما احتلال إسرائيل لفلسطين فإنه مقدمة لابتلاع كل فلسطين، ولذلك هناك مصادر كثيرة لشرعية المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل التي تحاول أن تنشئ إسرائيل الكبرى في المنطقة بدعم أمريكي واضح على حساب الدول العربية المجاورة لفلسطين.

والمطلوب امتثال الدول جميعًا لقواعد القانون الدولي حتى يستقر المجتمع الدولي، ولا يمكن السماح لدولة مارقة كإسرائيل وأمريكا أن تتغاضى عن تركة المجتمع الدولي كله عبر العصور.

ولكن الواقع عمومًا يختلف عن القانون الدولي حسب قوة الدول المتصارعة، ولذلك فشلت الأمم المتحدة التي نشأت عام 1945 لأن الدول المارقة كثرت، وليس لدى الأمم المتحدة جيش حتى يردع هذه الدول، فبقيت مواد الميثاق نظرية أكثر منها عملية.

وعندما نرى دولة عظمى كأمريكا تنتهك القانون الدولي صراحة، فإن الأمم المتحدة المرتبطة بالغرب جزء من مؤسسات نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأن الصراع مع إيران يدخل في إطار تغيير النظام الدولي. والنظام الدولي القديم يدور وجودًا وعدمًا حول الغرب، تهاوى، ولكن لم يحل مكانه نظام جديد، وتحاول أمريكا أن تفرض إرادتها على إيران التي هي جزء من تحالف أوسع يضم روسيا والصين وكوريا الشمالية.

وليت هذا التحالف يدرك طبيعة الصراع فيدعم إيران كواجهة للقضاء على النفوذ الغربي في المنطقة. ولذلك دخلت أوروبا أو أغلب دولها مرحلة جديدة من الاعتماد على النفس بعد أن رأت رأس الغرب وهي أمريكا تدخل في صراع عبثي مرة في أوكرانيا وثانية ضد إيران؛ فليس هذا الصراع هدفه النفوذ وإنما هدفه الأساسي تغيير النظام الإقليمي والدولي، ولذلك فإن هذا الصراع سيطول ويمتد إلى سنوات.

وهناك فرق بين الصراع السياسي والعمل العسكري. الصراع السياسي هو الأصل، والصراع العسكري هو نتيجة لذلك، فإن وقف إطلاق النار لا يعني البتة إنهاء الصراع ما دام هدف الصراع هو تغيير النظام الإقليمي والدولي.

ولاحظ المراقبون أن شكل النظام الجديد لم يتبلور بعد، ولكن يكفي أن المعسكر الذي يضم إيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية يهدم النظام الغربي الذي نشأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

ومن ذلك يظهر للعيان أن نقل مقر الأمم المتحدة من نيويورك إلى جهة أخرى كما اقترح الرئيس القذافي خطوة عصبية لا تغير النظام. والحقيقة أن الأمم المتحدة وميثاقها قد أصبحا من الماضي، فالنظام القديم تحطم والنظام الجديد لم يتبلور، ولابد من مراقبة الأوضاع في السنوات المقبلة.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z