التناقض بين المنهج السياسي الأمريكي والإيراني

 

 

د. عبد الله الأشعل **

نظرية الصراع الدولي تنتمي إلى العلوم السياسية أما نظرية القانون فهي على هامش نظرية الصراع، وفى الغالب تدار العلاقات الدولية بنظرية الصراع وليس نظرية القانون في كل العصور، وفى الوقت الراهن تختلف العقلية الأمريكية عن العقلية الإيرانية ودور الوسطاء جسر الهوة بين الموقفين.

المنهج السياسي الأمريكي يريد تحقيق الأهداف الأمريكية لدى إيران وكلها أهداف غير قانونية وغير مشروعة في القانون الدولي. إما أن تقترب أمريكا من القانون الدولي أو تقترب إيران من السياسة.

والواقع أن أمريكا كدولة عظمي دأبت على تحقيق أهدافها بالاستعلاء، وفور نشأة الأمم المتحدة دارت مناقشات واسعة داخل أمريكا وتمسكت أمريكا بأن نظامها مثالي وأن مؤسساتها تشرع لبقية دول العالم لذلك هي الدولة الوحيدة التي لم تعرف نظرية ازدواج القانون الداخلي والدولي.

القانون الداخلي يجب أن يسري في جميع دول العالم وهذا يتناقض مع فكرة السيادة والمساواة في السيادة. ولهذا السبب أصدر الكونجرس الأمريكي تشريعات مناقضة للقانون الدولي مما يرتب مسؤولية الدولة الأمريكية والأمثلة على مخالفة الكونجرس الأمريكي للقانون الدولي عديدة لكن دول العالم يجب أن تقف بحزم في مواجهة الكونجرس الأمريكي وإلا سيظن الكونجرس أنه على حق.

أول الأمثلة أنه في عام 1995، عندما أصدر الكونجرس قانونا يرغم الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الاعتراف بأن القدس عاصمة دائمة وأبدية لإسرائيل في تناقض مباشر مع قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن بخصوص القدس.

والرئيس الأمريكي جيمي كارتر كان يظن أنه يخدم المسيحية عندما تقارب من إسرائيل، وجلب لها مصر الجائزة الكبرى.

وفي مناقشة معي خلال مؤتمر مدريد في الحوار بين الأديان والعقائد الذي نظمته السعودية، أكد الحاخام الأكبر- وأنا أناقشه في الفرق بين الصهيونية واليهودية- أنهم حرفوا التوراة خصيصًا لكي تكون مساندة لإسرائيل وخدمتها واجب توراتي.

وقضى تشريع الكونجرس الأمريكي بإلزام الإدارة الأمريكية بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس الشرقية بالذات.

والقدس الشرقية بنص القرار 242 أراضٍ محتلة، كما أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايته الأولى نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس الشرقية، رغم تعارض ذلك مع نص قرار مجلس الأمن رقم 478 عام 1980، والذي أبطل التشريع الإسرائيلي الخاص بأن القدس عاصمة دائمة وأبدية لإسرائيل وحذَّر من نقل الدول سفاراتها إلى القدس الشرقية.

المثال الثاني لمخالفة الكونجرس الأمريكي للقانون الدولي، عندما أصدر الكونجرس العام الماضي 2025 قانوناً بمعاقبة قضاة المحكمة الجنائية الدولية إن هم قرروا إدانة بنيامين نتنياهو، وذلك عندما تجاسرت المحكمة الجنائية الدولية على إصدار القرار بأن نتنياهو ووزير دفاعه السابق من مجرمي الحرب وطالبت الدول الأعضاء في المحكمة بالقبض عليهم لكي يمثلوا أمام القضاء الجنائي الدولي. وكان ذلك موقفاً من الكونجرس الأمريكي مناقض للقانون الدولي واحتقار للقضاء الجنائي الدولي.

المثال الثالث، يتعلق بمحكمة العدل الدولية عندما فرضت أمريكا حصارا بحريا على نيكاراجوا بعد أن سلحت الثوار هناك لكي يقاتلوا الحكومة فرفعت حكومة نيكاراجوا دعوى سنة 1986 أمام محكمة العدل الدولية. فما كان من أمريكا إلا أن سحبت تصريح قبول اختصاص المحكمة الصادر عام 1946 م وأصبحت أمريكا تقبل اختصاص المحكمة حسب الدعوى.

أما دعوى أمريكا ضد ليبيا فإن أمريكا هي التي رفعت الدعوى وتبين فيما بعد أن أمريكا كانت تهدف إلى الحصول على أموال ليبيا كتعويض عن حادث مُفبرك وبالفعل دفع مُعمَّر القذافي ملايين الدولارات لأمريكا، وكان واضحًا أن أمريكا تبتز ليبيا.

نعود مرة أخرى إلى إيران وأمريكا؛ حيث إن أمريكا تريد ان تُرهب إيران بقوتها العسكرية لكي توقع اتفاقا تنفذ فيه كل رغبات أمريكا على أساس أن أمريكا تملك القوة، ولكن إيران تملك الصمود وقوة القانون.

فإلى أي مدى الصراع بين المنهجين سوف يحسم لصالح أي منهما؟

قلنا فيما مضى إن الصراع الإيراني الأمريكي ليس هدفه تغيير النظام في طهران وإنما هدفه من وجهه نظر أمريكا تأكيد النظام الغربي القائم منذ الحرب العالمية الثانية. أما من وجهة نظر إيران وروسيا والصين فإنها تريد تحطيم هذا النظام وبناء نظام جديد يكون أكثر عدلًا.

والحق أن النظام القديم قد تصدَّع ولكن النظام الجديد لم ينشأ بعد.

** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z