لماذا المنافسة بين المحافظات محمودة وبين الوزارات محمومة؟!

 

 

 

 

د. صالح بن سعيد مسن

خلال السنوات الخمس الماضية، وبتوجيهات سامية من المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- شهدت المحافظات نقلة نوعية بعد منحها صلاحيات أوسع واستقلالية إدارية ومالية أكبر. وقد أثبتت هذه الرؤية بعيدة المدى نجاحها بوضوح؛ إذ نشطت المحافظات، وتحركت عجلة التنمية المحلية، وبرزت حالة من «المنافسة المحمودة» بين المحافظين لاستثمار المزايا النسبية لكل مُحافظة وتحويلها إلى فرص تنموية واقتصادية.

وفي ظل هذه الصلاحيات اللامركزية، أصبحت المحافظات وحدات تنفيذية واضحة المسؤولية، تُحاسب على أدائها وتُنسب الإنجازات إليها مُباشرة. وانعكس ذلك على أسلوب العمل؛ من اختيار الكفاءات، ومتابعة المشاريع، وتحفيز المبادرات، إلى صناعة حراك تنموي وإعلامي ملموس. ورغم محدودية الموارد مقارنة بالوزارات، برزت قصص نجاح تُؤكد حقيقة إدارية مهمة: حين تتضح المسؤولية، يصبح الإنجاز أكثر وضوحًا أيضًا.

لكن في المقابل، تبدو الصورة داخل بعض الوزارات مختلفة؛ فعلى الرغم من وفرة الموارد البشرية والمالية، لا تزال الإنتاجية في بعض الحالات دون المأمول، بينما يتجاوز الزخم الإعلامي حجم الأثر الفعلي على الأرض. كما تواجه بعض الجهات المرتبطة بالملف الاقتصادي تحديًا يتمثل في تداخل الاختصاصات وغياب الحدود المؤسسية الواضحة، ما أوجد حالة من «المنافسة المحمومة» بين المؤسسات بدلًا من التكامل بينها.

المشكلة هنا لا تكمن فقط في تداخل الصلاحيات، بل في غياب حوكمة مؤسسية حاسمة لإدارة هذا التداخل؛ ففي كثير من الأحيان، لا يُحتكم إلى قواعد تنظيمية فاصلة بقدر ما تُحال الملفات إلى لجان وزارية، لتدخل في مسارات طويلة من النقاش قد تتأثر أحيانًا بالاجتهادات الشخصية أكثر من الاحتكام الصريح للاختصاص المؤسسي. والنتيجة هي استنزاف الوقت والجهد، وإبطاء القرار، وإضعاف الانسجام بين الجهات الحكومية.

كما أن الرجوع المتكرر إلى اللجان الوزارية الرئيسية لاتخاذ القرار، تسبب في خلق طبقات إضافية من البيروقراطية، وأفقد بعض الوزارات مرونتها وقدرتها على المبادرة. حتى أصبحت بعض المبادرات تستغرق وقتًا أطول في النقاش من الوقت المطلوب لتنفيذها. والأسوأ أن ملفات دُرست فنيًا داخل الجهات المختصة تعاد مناقشتها من جديد في مسارات مطولة، فتتحول من مشاريع تنفيذية متكاملة إلى نقاشات عامة قد تُفقدها عمقها المهني وجدواها العملية.

والمفارقة أنَّ نجاح المبادرات يُنسب أحيانًا إلى اللجان التي اعتمدتها، بينما تتحمل الجهات التنفيذية وحدها مسؤولية التعثر عند الإخفاق. وهذه المُعادلة لا تعزز روح المبادرة داخل المؤسسات؛ بل تخلق بيئة إدارية تميل إلى الحذر وتجنب المخاطرة؛ لأنَّ كلفة الفشل واضحة بينما عوائد النجاح لا تُنسب بالضرورة لمن نفّذ.

في المقابل، أثبتت بعض الجهات التي مُنحت هامشًا أوسع لاتخاذ القرار، أو حظيت بدعم مباشر دون الدخول عبر بوابة اللجان الوزارية، قدرة أعلى على الإنجاز وتحقيق نتائج ملموسة. وهو ما يعيد التأكيد على أن المشكلة ليست في نقص الكفاءات أو الموارد، بل في طريقة توزيع السلطة التنظيمية وآليات اتخاذ القرار.

لقد قدَّمت تجربة المحافظات درسًا إداريًا بالغ الأهمية: وضوح الصلاحيات، وربط المسؤولية بالنتائج، ومنح القيادات مساحة حقيقية للتحرك، كلها عوامل تصنع الإنجاز وتولد التنافس الإيجابي. أما حين يتركز القرار في حلقات ضيقة، أو تتضخم مسارات المراجعة والاعتماد عبر اللجان الوزارية، فإنَّ النتيجة غالبًا لا تكون تنسيقًا أفضل، بل بيروقراطية أكبر تُهدر الطاقات وتبطئ التنمية.

ولعل المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة جادة لهياكل الحوكمة وآليات عمل اللجان الوزارية، ليس بهدف تقليص التنسيق، وإنما لمنع تحوله إلى عبء يقيّد المؤسسات بدل أن يدعمها. فالدول لا تتقدم بكثرة اللجان، ولا بتكدس القرار في أيدي قلة من المسؤولين؛ بل بوضوح المسؤوليات، وسرعة القرار، وكفاءة التنفيذ، ومحاسبة كل جهة على نتائجها بصورة مباشرة وواضحة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z