حمد الحضرمي **
ليس أقسى على الإنسان من أن يشعر أنه غريب في وطنه، وأن صوته لا يصل، وأن أوجاعه تُسجَّل في الملفات ولا تجد طريقها إلى الحل. المواطن لا يطلب المستحيل، ولا يحلم بالترف، بل يبحث عن حقه الطبيعي في حياة كريمة، في وظيفة تحفظ كرامته، في خدمة تُلبّي حاجته، وفي مسؤول يرى في منصبه رسالة قبل أن يكون سلطة.
لكن الموجع حقًا، أن بعض المسؤولين قد ابتعدوا عن نبض الشارع، وانشغلوا بالمكاتب، والتقارير، والوعود المؤجلة، حتى أصبح المواطن يواجه همومه وحيدًا، يصارع غلاء المعيشة، وضيق الفرص، وتعقيد الإجراءات، وكأن الوطن لم يُنشأ لأجل الإنسان. فالمسؤولية ليست لقبًا يُعلّق على الأبواب، ولا منصبًا يُزيّن السيرة الذاتية، بل هي أمانة ثقيلة، يسأل عنها الضمير قبل أن يسأل عنها القانون، ويسأل عنها الله قبل أن يسأل عنها الناس.
إن المسؤول الذي لا ينزل إلى الميدان، ولا يسمع أنين المواطن، ولا يلامس واقع الناس، يفقد جوهر وظيفته. فكم من مواطن أنهكته الديون؟ وكم من شاب ضاعت سنوات عمره بين أبواب الوظائف المغلقة؟ وكم من أسرة تكابد بصمت تحت وطأة الغلاء؟ وكم من مراجع يتنقل بين المكاتب بحثًا عن توقيع أو حل؟ المشكلة ليست دائمًا في قلة الموارد، بل في ضعف المتابعة، وغياب الحس الإنساني، وأحيانًا في غياب الكفاءة.
بعض المسؤولين ينظر إلى المواطن من أعلى، لا من موقع الخدمة والرعاية، وكأن المنصب قد حجب عنه حقيقة أن هذا الكرسي لم يوجد إلا لخدمة الناس. المواطن لا يحتاج إلى وعود إعلامية، بل إلى قرارات تُنفذ، لا يحتاج إلى كلمات منمقة، بل إلى حلول عملية، لا يحتاج إلى أبواب مغلقة، بل إلى مسؤول يفتح قلبه قبل مكتبه. فحين ينام المواطن مهمومًا، فهناك مسؤولية لم تُؤدَّ كما ينبغي، وحين يبكي المواطن بصمت، فهناك أمانة لم تُصن.
ولا بُد من التذكير بأن المسؤولية ليست امتيازًا يُمنح، بل التزام قانوني ودستوري يُلزم صاحبه بأداء واجبه وفق أحكام القانون، وتحقيق الصالح العام، وصون حقوق الناس وأموالهم، والالتزام بالنزاهة والعدالة والشفافية، وأن تكون المصلحة العامة فوق كل اعتبار؛ فالمسؤولية أمانة تُحمّل صاحبها تبعات قراراته، وتضعه تحت طائلة المساءلة متى انحرف أو قصّر.
لم يعد الحديث عن تقصير بعض المسؤولين مجرد انطباع شعبي، بل أصبح مسألة تمس جوهر الالتزام الدستوري. فقد جاء النظام الأساسي للدولة واضحًا حين قرر أن العدل أساس الحكم، وأن الوظيفة العامة خدمة وطنية تُستهدف بها المصلحة العامة، وأن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات. هذه النصوص الدستورية ليست شعارات تُتلى، بل التزامات تُحاسب عليها الضمائر قبل الأنظمة.
فحين يُترك المواطن يواجه تعقيد الإجراءات، وتأخر المعاملات، وضيق الفرص. فإن الخلل لا يكون إداريًا فقط، بل دستوريًا في جوهره. المسؤول الذي لا يخفف معاناة الناس، ولا يسعى لحل مشاكلهم، ولا يُحسن إدارة الأمانة التي بين يديه، لا يخالف التوقعات فحسب، بل يبتعد عن روح النظام الذي منحه هذه الصلاحيات. لأن المنصب في فلسفة الدولة ليس امتيازًا شخصيًا، بل تكليفٌ مشروط بخدمة الناس. وهنا تتجلى الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، كل تقصير في خدمة المواطن، هو إخلال بالأمانة، وكل إهمال لمعاناته، هو مساس بمبدأ العدل الذي قام عليه الحكم.
فيا أيها المسؤول…تذكَّر أن خلف كل معاملة إنسانًا، وخلف كل طلب أسرة، وخلف كل شكوى قلبًا أنهكه الانتظار. الكرسي الذي تجلس عليه اليوم ليس مجدًا شخصيًا، بل أمانة، والسلطة التي بين يديك ليست امتيازًا، بل مسؤولية. فإما أن تكون سببًا في تخفيف أوجاع الناس، أو تكون شاهدًا على معاناتهم.
المواطن لا يريد من المسؤول المستحيل، بل يريد أن يشعر أن في هذا الوطن من يسمع، ومن يرحم، ومن يتحرك، لأن المسؤولية ليست وجاهة تُعلّق على الصدور، بل أمانة تُثقل الأعناق، فإن العبث بها خيانة، والتقصير جريمة، وسوء استخدامها ظلم لا يسقط بالتقادم.
فليعلم كل من تقلّد منصبًا أن خلف كل قرار مصير إنسان، وخلف كل إهمال وجع مواطن، وأن التاريخ لا يرحم، والعدالة لا تنام، والحساب آتٍ، يوم تُنزع الألقاب، وتُكشف الحقائق، ويقفُ كل مسؤولٍ بين يدي الله العدلِ الحقّ، أمام ميزانٍ لا يُجامل ولا يُهادن ولا يغفُل عن شيء.
** محامٍ
