صاحب السمو السيد/ نمير بن سالم آل سعيد
أحيانًا يتسلل إلى المسؤول خَدَر المنصب وغواياته، فتتخلخل ذهنيته، ويلتبِس عليه واقعه، فتختلط عليه الأمور؛ فيظن متوهمًا أن المنصب هو ذاته وذاته هي المنصب، وعدم السيطرة على ذاته، وكبح جماحها، وإنزالها منزلتها الطبيعية، فيؤدي ذلك حتمًا إلى تضخم الذات وتبطُّرها.
وحتى من كان منصبه صوريًا، ولا يؤدي أي عمل سوى الحضور صباحًا إلى مكتبه والانصراف ظهرًا، دون صلاحيات فعلية يُمارسها أو دور يتناسب مع مُسماه الوظيفي البرَّاق، فإنه مع ذلك تراه يحرص على انتحال دور المسؤول المهم، مرتديًا قناعا من الخداع، مُوهمًا الآخرين بمكانته الوظيفية الرفيعة وشأنه العالي! فيغدو هو نفسه أسيرَ هذا الوهم، فتزداد ذاته تضخمًا.
وهؤلاء المُتضخِمة ذواتهم جميعًا، وقعوا في نشوة المنصب وغوايته، لتغيب عنهم ضوابط التوازن الداخلي وحُسن تقدير الأمور، فتتحول الوظيفة لدى البعض من مجرد تعيين رسمي صدر لهم، إلى حالة من الاستعلاء على الآخرين، يُغذِّيها نفاق من حولهم، وتضاؤلهم أمامهم.
هنا يبدأ البناء الوهمي في الترسُّخ شيئًا فشيئًا، فيفقد المسؤول الإحساس بالواقع الحقيقي، فلا يعود يُميِّز بين منصبه الوظيفي وبين قيمته الشخصية المجردة من المنصب؛ فتراه يتقمَّص شخصية غير شخصيته، فيظهر ذلك في مِشيته وحركاته ونظراته ونبرات صوته وطريقة تعامله.
وأمَّا نظرة الناس إلى هذا النمط، فغالبًا ما تكون مُستنكِرة ومستاءة منهم ومن غرورهم. ومن يتصرف هكذا يُعد شخصًا هشًّا يُحاول تعويض شعور داخلي بالنقص عبر مظاهر خارجية مُكتسَبَة. ومثل هؤلاء لا يحظون باحترام حقيقي، وإن نالوا شيئًا منه أحيانًا، فهو مؤقت ومرتبط بمنصبهم، فإذا زال المنصب، انتهوا هم كذلك بانتهائه.
وكثيرٌ ما يصل بهم المطاف إلى عُزلة اجتماعية؛ لأن علاقاتهم بُنيت على المصلحة لا على الوِدِّ الخالص والمحبة الصادقة؛ إذ لم يؤسسوا وجودهم على التواضع والقيم الرفيعة التي تقرب الناس إليهم لشخصهم لا لمنصبهم.
وفي المقابل، هناك من المسؤولين من لا تغويهم المناصب ولا تغيرهم الرُتَب؛ بل على العكس يزدادون تواضعًا كلما ارتفعت بهم المناصب. وهم يدركون أن المنصب تكليف ومسؤولية لا امتياز للتعالي والتفاخر والانتفاخ الذاتي على الناس؛ فالدنيا لا تتطلب كل هذا التبطُّر الجائر، وهم يدركون المثل القائل "لو دامت لغيرك ما وصلت إليك"، والدنيا ظل عابر، وكل ما فيها بعد حين إلى زوال.
والمنصب وُجِدَ لخدمة الناس لا للتعالي عليهم أو الاستخفاف بهم والتعامل معهم بفوقية واستهتار.
ومن يُدرك هذه الحقيقة يبقى ثابتًا مهما تغير موقعه أو زال منصبه، لأن قيمته الذاتية مستمدة من جوهره الإنساني السوي لا من موقعه الوظيفي المؤقت.
وهكذا يتضح بأن التواضع لا ينقُص من قدر المسؤول الواثق من نفسه، ولا يُضعف دوره؛ بل يرفعه بأخلاقه بين الناس، ويمنحه احترامًا صادقًا، بينما تضخم الذات مهما بدا- برستيجيًا- متفخمًا ومتلمعًا فإنه لا يلبث إلّا أن يتلاشى، تاركًا خلفه صورة باهتة ضعيفة لشخص لا وزن له ولا أثر!
