تحقيق: ناصر أبوعون
في يوم 14 من مارس سنة 1975 ارتقت روح الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري إلى بارئها، واستردَّ الله وديعته، فهطلت مُزن الأسى على رأس الشيخ هاشم بن عيسى الطائي حزنًا على فراقه؛ فقد كان شقيق قلبه، ونديم طريقه، ورفيق دربه، لا تفصم بينهما السُّبل المُتفرقة، ولا تمزّق وصلهما الأزمان المتباعدة، ولا تقطع حبل الوداد بينهما الخطوب المتوافدة؛ فبكاه برائية شهيرة أولها حكمة عالية، وأوسطها قطوف دانية، وآخرها أوصاف بلاغية ظلالها وارفة. فلمّا دخل إلى محراب صفات العبري وضع سنّ ريشته في دواة قلبه الباكية، واستملأ حبرها من دموع عينيه الدامية، وخطّ بيمينه أحزان وداعه السامية، ورسم صورته في مرآة المنادمة الصافية وصاغ محاسنه المتعالية، وامتدح علمه وشمائله، وسقى السامعين من فيض بلاغته، فقال واصفاً معالم شخصيته الأدبية وسماته العلمية.
أولًا- قصيدة: أَفْتَى سَعِيدٌ مَنْ تَرَكْتَ لِهَاشِمٍ؟
[كَأْسُ الْمَنُوْنِ عَلَى الْأَنَامِ تَدُوْرُ/ وَالْكُلُّ مِنَّا لِلِإلَهِ يَحُوْرُ- يَا خَاطِبَ الدُّنْيَا فَدَعْهَا إِنَّ مَنْ/ يَغْتَرُّ بِالدُّنْيَا هُوَ الْمَغْرُورُ- فَالْمَرْءُ تَلْقَاهُ بِهَا شَأْنٌ لَهُ/ وَيَجُرُّ ذَيْلَ التِّيْهِ وَهُوَ فَخُوْرُ- تُلْقِيْهِ يَوْمًا بِالتُّرَابِ مُعَفَّرًا/ وَعَلَيْهِ مِنْ فَوْقِ التُّرَابِ صُخُوْرُ- وَالدُّوْدُ يَأْكُل ُ(وَيْكَ) مِنْهُ مَحَاسِنًا/ وَهُوَ الرَّهِيْنُ بِمَا إِلَيْهِ يَصِيْرُ- فَاعْمَلْ لِأُخْرَاكَ الَّتِي تَبْقَى لَهَا/ وَاِسْتَغْفِرِ الرَّحْمَنَ فَهُوَ غَفُوْرُ- فَاعْمَلْ لِأُخْرَاكَ الَّتِي تَبْقَى لَهَا/ وَاسْتَغْفِرِ الرَّحْمَنَ فَهُوَ غَفُورُ- كُنْ عَامِلًا للصَّالِحَاتِ مُجَاهِدًا- وَاِرْضِ الْإِلَهَ فَإِنَّهُ لَشَكُوْرُ- وَاِحْذَرْ تَوَافِيْكَ الْمَنِيَّةَ بَغْتَةً/ وَاِعْلَمْ بِأَنَّ الدَّائِرَاتِ تَدُوْرُ- كَالصَّدْمَةِ الشَّنْعَاءِ أَوْدَتْ بِالَّذِي/ فَاقَ الْوَرَى عِلْمًا وَذَا مَشْهُوْرُ- بَحْرُ النَّدَى، شَمْسُ الْهُدَى، بَدْرُ الدُّجَى/ لَيْثُ الْوَغَى عَلَّامَةٌ نِحْرِيْرُ- حَازَ الْخَطَابَةَ وَالْكِتَابَةَ وَالنَّدَى/ حُلوُ الشَّمائلِ مَاجدٌ وَهَصُوْرُ- حُلْوُ الحَدِيثِ، فَلَا يُمَلُّ لِدِينِهِ/ وَالْوَجْهُ مِنْ حُسْنِ الْيَقِينِ يُنَوِّرُ- ثَبْتُ الْجَنَانِ فَلَا يُجَارَى شَوْطُهُ/ لَا تَعْتَرِيهِ هَوَادَةٌ وَفُتُورُ- فَهُوَ الْمَجِيدُ إِذَا تَكَلَّمَ سَائِلٌ / لِيَرَاعِهِ عِنْدَ الْجَوَابِ صَرِيرُ- مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ شَخْصًا وَاحِدًا
لَكِنَّهُ أَلْفٌ وَذَاكَ حَقِيرُ- يَرْقَى الْمَنَابِرَ خَاطِبًا فَكَأَنَّهُ/ بَدْرٌ تَجَلَّى وَالْأَنَامُ حُضُورُ- لِلَّهِ إِبْرَاهِيمُ حَازَ مَفَاخِرًا / لَمْ يُحْصِهَا الْمَنْظُومُ وَالْمَنْثُورُ- فَمُصَابُ إِبْرَاهِيمَ لَيْسَ بِهَيِّنٍ/ فَالْأَرْضُ تَرْجُفُ وَالسَّمَاءُ تَمُورُ- فَمُصَابُهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ فَادِحٌ/ وَالنَّاسُ مِنْهُمْ بَارِعٌ وَصَبُورُ- أَبْكَى بَنِي الْإِسْلَامِ عِزُّ مُصَابِهِ/ طُرًّا وَإِنِّي بِالْبُكَاءِ لَجَدِيرُ- أَفْتَى سَعِيدٌ مَنْ تَرَكْتَ لِهَاشِمٍ؟/ خِلًّا صَفِيًّا بِالْوَفَا مَغْمُورُ- فَلَأَنْدُبَنَّكَ مَا حَيِيتُ تَلَهُّفًا/ حَرُّ الْمُصَابِ بِذَا الْفُؤَادِ يَفُورُ- إِنِّي عَجِبْتُ لِغَاسِلِيهِ إِذْ أَتَوْا / بِالْمَاءِ غُسْلًا، وَالدُّمُوعُ بِحُورُ- يَا لِلنَّعْشِ سَارُوا حَامِلِينَ وَمَا دَرَوْا/ بِالْكَائِنَاتِ جَمِيعِهِنَّ تَسِيرُ- نَادَاهُ رَبِّي فَاسْتَجَابَ نِدَاءَهُ/ فَالنَّعْشُ مِنْ فَرَحٍ تَرَاهُ يَطِيرُ- يَا رَحْمَةَ اللَّهِ انْزِلِي فِي قَبْرِهِ/ فَلَهُ مِنَ اللَّهِ الْكَرِيمِ أُجُورُ- يَا رَبِّ فَأَسْكِنْهُ الْجِنَانَ مُخَلَّدًا/ وَعَلَيْهِ مِنْ حُلَلِ النَّعِيمِ سُتُورُ- يَا (آلَ عَبْرَةَ) إِنَّنِي لَشَرِيكُكُمْ/ فِي ذَا الْمُصَابِ وَإِنَّهُ لَكَبِيرُ- ثُمَّ الصَّلَاةُ مَعَ السَّلَامِ كِلَاهُمَا/ لِلْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ فَهْوَ بَشِيرُ- وَالْآلِ وَالْأَصْحَابِ مَا بَرْقٌ سَرَى/ أَوْ هَبَّ يَوْمًا شَمْأَلٌ وَدَبُورُ].
ثانيًا: التحليل الأسلوبيّ للقصيدة:
تتجلى في هذه القصيدة السمات التقليديّة في غرض الرثاء العربيّ الشهير، وقد بنى الشاعر الشيخ العلامة القاضي هاشم بن عيسى الطائي معمارها من ألفاظ رصينة، تجمع بين الجزالة والأصالة في إهاب واحد، وفَتَلَ فيها حَبْلَي (الوعظ الديني)، و(الوجدان الصادق)، وتشبعت صوره الشعرية بشحنات انفعالية مثقلة بالدلالات، أبرزت لنا عمق الفقد الذي نال من نفس الشاعر، وألقت بظلالها على شخصية المرثي الشيخ العلامة سماحة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري المفتي السابق لسلطنة عُمان. وبناءً على ما تقدّم كانت النظرية الأسلوبيّة هي الأجدى في قراءة السمات الجمالية. وبناءً على ما تقدّم سنحاول هنا الكشف عن العناصر والمستويات الأسلوبية الرئيسة المتحققة في القصيدة؛ ومن أهمها:
1- الانزياح اللغوي:
فنٌ بلاغي أسهم في إظهار الكثير من التعبيرات بوصفها خرقًا للمتعارف عليه والمألوف بين قُراء العربية، ومن ثَمّ إظهار قدرة هذا الانزياح على توليد العديد من الدلالات. والانزياح يتجلّى في هذه القصيدة على ثلاث صور: [أ](الانزياح التشخيصيّ)، ويسمى أيضا بـ(الانزياح الاستعاريّ)؛ ومن أمثلته: الاستعارة التجسيدية التي أكدت على شمولية الموت، وتصويره بالكأس التي تدور على سائر الأحياء ليتذوقوا مرارتها، كما في قول الشاعر: "كَأْسُ الْمَنُونِ عَلَى الْأَنَامِ تَدُورُ"، ثم تأتي الاستعارة التشخيصية التضخيمية، فنرى "الْأَرْضُ تَرْجُفُ وَالسَّمَاءُ تَمُورُ" اضطرابا وحزنا على وفاة الشيخ إبراهيم العَبري، ثم يخرج بنا الشاعر من حالة الحقيقة الواقعية إلى الحقيقة الشعوريّة بإسناد صفة الطيران والفرح إلى النعش الذي يحمل جثمان المرثي، في قوله:"فَالنَّعْشُ مِنْ فَرَحٍ تَرَاهُ يَطِيرُ". [ب](الانزياح التركيبي)، ويعتمد على طريقة بناء الشاعر للجملة الشعرية، وتوظيفه لاستراتيجية التقديم والتأخير؛ وذلك لإبراز المعنى كما في قوله: "لِلَّهِ إِبْرَاهِيمُ حَازَ مَفَاخِرًا" قاصدًا إفادة الاختصاص والتعظيم بتقديم شبه الجملة (لِلَّهِ). [ج] (الانزياح الدلاليّ)، وهذا النوع من الانزياح يُستعمل عادةً لإفادة المبالغة والتضخيم الرمزيّ للدلالة؛ وذلك للتأكيد على قوة التأثير الاجتماعي والدينيّ لشخصية المرثي الشيخ المفتي إبراهيم العَبري، كما في قول الشاعر: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ شَخْصًا وَاحِدًا لَكِنَّهُ أَلْفٌ".
2- ثيمة التكرار ووظيفتها الأسلوبية:
لقد لاحظنا كيف احتملت هذه الثيمة العديد من الوظائف النفسية والإيقاعية والدلالية. وقد رصدنا هذا (التكرار) في القصيدة على ثلاث صور أيضا:[أ] (التكرار اللفظي)، وكانت وظيفته إبلاغية وَعْظِيِّة محضة؛ وذلك لتهيئة الناس بوجه عام لاستقبال مصيبة الموت، كما في قوله: "فَاعْمَلْ لِأُخْرَاكَ الَّتِي تَبْقَى لَهَا وَاسْتَغْفِرِ الرَّحْمَنَ فَهُوَ غَفُورُ" [ب] (تكرار المفردات الجنائزيّة) بغرض إضفاء طقس تشييعيّ جنائزيّ على أجواء القصيدة عبر تكرار مفردات الموت والوداع المُشبعة بالحزن، مثل: "المُصاب – المنيّة- الدموع- التراب- المنون". [ج] (تكرار البنية التركيبية)؛ وذلك لقدرتها على تكثيف انفعالات الفقد، وإسقاط حالة الحزن وتعميمها على السامعين والقراء، ومن أمثلته: تكرار الأسلوب الإنشائي وخاصة (أسلوب النداء)، في قوله: "يَا رَبِّ"، "يَا خَاطِبَ الدُّنْيَا"، "يَا رَحْمَةَ اللَّهِ"، "يَا آلَ عَبْرَةَ".
3- (النظم)/ التركيب الأسلوبي والنحويّ:
فعلى الرغم من تنويع شاعرنا الأساليب داخل القصيدة ما بين الخبريّ والإنشائيّ؛ إلا أنّ [أ](الأسلوب الخبري) كانت له الحظوة والغلبة إحصائيًّا، وما وراء ذلك من سبب وجيه إلا رغبة الشاعر هاشم بن عيسى الطائي في ترسيخ قيم الحكمة والموعظة، وتثبيت اليقين في قلوب المستمعين بأن الدنيا فانية لا محالة، والعمل لِمَا بعد الموت دأب المؤمنين. وإذا ما بحثنا عن أهم الجمل الخبريّة في القصيدة وجدناها في قوله: (وَاعْلَمْ بِأَنَّ الدَّائِرَاتِ تَدُورُ)، (وَالْكُلُّ مِنَّا لِلإِلَهِ يَحُورُ)، وهي جملٌ تحمل طابعًا تأمليًّا وحِكْمَيًّا وذات صبغة تقريريًّة. أما [ب](الأسلوب الإنشائي) فقد استعمله الشاعر ليكسر حالة الرَّتابة الخبرية، ويُكْسب القصيدة حيويّةً وتفاعلًا من جانب القراء والمستمعين، ويمكن رصده متنوعًا ما بين (1- الأمر الطَّلبيّ) في استعمال الأفعال: (فَاعْمَلْ)، (وَاسْتَغْفِرْ)، (اِحْذَرْ). و(2- النداء) ذو التأثير والصدى الواسع في النفوس وخاصة في قلوب الموحدين والمسلمين، كما في قوله: (يَا رَبِّ)، (يَا رَحْمَةَ اللَّهِ). [ج](استراتيجية التقديم والتأخير)، وقد استعملها شاعرنا لإحداث ما يسمى بالمفارقة الشعوريّة، واتضحت هذه الوظيفة من تقديمه الماء على الدموع في قوله: (بِالْمَاءِ غُسْلًا، وَالدُّمُوعُ بِحُورُ).
4- البنية الإيقاعية والصوتية:
ارتكز الشيخ هاشم بن عيسى الطائي في هذه القصيدة على بنية إيقاعية وصوتية تتكون من ثلاثة عناصر: (البحر الشعري، والقافية، والتكرار الصوتي)، فأما (1- البحر الشعريّ)، فقد وقع اختيار الشاعر على بحر الكامل التام، وتفعيلاته (مُتْفَاْعِلُنْ) ثلاث لكل شطر، وكان هذا الاختيار موفقًا لكون هذا البحر ملائم لغرض الرثاء، ويُشعر المتلقين بشدة ودالٌّ على عِظَم الخطب وضخامة الحدث من خلال قوة جرسه الموسيقي وتفعيلاته الرنانة، وأمَّا القافية فقد وقع اختيار الشاعر على حرف الراء المضمومة "مَغْرُورُ، فَخُورُ يَطِيرُ"؛ وذلك لما يتمتع به صوت الراء من موجة صوتية ممتدة؛ تتناسب وعاطفة الفقد الجيّاشة ويوحي للمستمع والقاريء بحالة الشجن والحنين التي أَلَّمَّتْ به حُزنًا على فراق رفيق دربه، وأما (2- ثيمة التكرار الصوتي)، فقد لاحظناها في استعمال الشاعر لـ(صوت الراء المجهور) نظرًا لما يُحدثه من اهتزاز نفسيّ، بجانب تكرار الأصوات المُفخّمة، مثل:(ط، ق، ض)، هذا بالإضافة لما يحدث من (نبر) في بعض الألفاظ (المصاب، التراب، الصدمة).
5- المعجم الشعري ودلالاته:
ارتكز الشاعر هاشم بن عيسى الطائي على ثلاثة أنواع من المعاجم الشعريّة، تتناسب والمُصاب الجلل الذي أَلَمَّ به على إثر فقد رفيق علمه ودربه الشيخ العلّامة القاضي مفتي سلطنة عمان إبراهيم بن سعيد العبري؛ وهي على النحو التالي:
[أ] (معجم دِينيّ): لكون الشاعر الطائيّ قابض على يقين مبدأ العالم العامل العابد في قول الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (سورة آل عمران: 185)؛ بمعنى أن الموت رحلة انتقال لا فناء، وهذا هو جوهر الرؤية الإيمانية؛ لذا استعمل شاعرنا روزنامة من الألفاظ المحمّلة بشحنة من الدلالات على هذا المعنى، نذكر منها: (الإله- الرحمن- الغفور- الجنان- النعيم).
[ب] (معجم الرثاء والفقد)؛ لإثارة طقس من الحزن في أجواء القصيدة يلقي بظلاله على القراء والسامعين، ويدخلهم تحت خيمة الوعي الجمعي والإحساس العام بالفقد، والبكاء رثاءً للفقيد. فاستعمل كلمات عميقة الدلالة، نذذكر منها:(النعش، الدموع، البكاء، المُصاب).
[ج] (معجم الفخر) بالبطولة والإشادة بأمجاد الفقيد العلّامة إبراهيم العَبري، بل إن الشاعر الطائي أضفى على المرثيّ العديد من الأوصاف المستوحاة من صورته الذِّهنية في عيون وقلوب مواطني وسكان عُمان إبان تلك الحقبة؛ فوصفه بـ(بحر الندى، شمس الهدى، بدر الدجى، ليث الوغى).
6- الصورة الشعرية وتشكّلاتها:
إنّ القاريء المتمرّس في قراءة الشعر العربيّ، ومضطلع على أسسه الفنيّة يمكنه بكل سهولة- بعد مطالعته المتأنية لقصيدة الشيخ هاشم بن عيسى الطائي في رثاء العلَّامة المفتي إبراهيم بن سعيد العبري- رصد أربع صور شعرية مشحونة بطاقة دلاليّة تنطلق من تشكّلات بيانيّة جدير بالقاريء الوقوف عليها وتأمّلها لما تتمتع به من قدرة على التأثير في شخصية ونفس المتلقي؛ وهي: (الصور الكونيّة- الصورة الضوئية- الصورة الحركية- الصورة الوجدانيّة)؛ فأمّا (1- الصورة الكونية الضخمة) لكونها قادرة على أن تعكس هول فاجعة فقد المفتي إبراهيم العبري في نفس الشاعر، والذي يمثل بدوره مرآة للشعب العُمانيّ، ولأتباع المذهب الإباضيّ على وجه الخصوص. ومن نماذجها قول الشاعر هاشم الطائيّ: "فَالْأَرْضُ تَرْجُفُ وَالسَّمَاءُ تَمُورُ". أمّا (2- الصورة الضوئيّة) فقد استعارها الشاعر من عناصر الطبيعة، ومصادر النور الإلهيّة على الأرض المتمثلة في آيَتَي الشمس والقمر، وقد وظّفهما الشاعر واستعارهما صفةً للعلّامة الفقيد تِبيانًا لدوره العلميّ والوعظيّ بين الناس فوصفه بـ"شَمْسُ الْهُدَى، بَدْرُ الدُّجَى". وأمّا (3- الصورة الحركية)، ويطلق عليها بعض النقاد القدماء (البيان الحاكي)، وهي تعكس الرؤية الروحيّة للشاعر من خلال إضفائه الحركة على الجمادات فصارت نابضة بالحركة، مثل قوله: "فَالنَّعْشُ مِنْ فَرَحٍ تَرَاهُ يَطِيرُ". وأمّا (4- الصورة الوجدانية)، ونعثر عليها في قوله: "وَالدُّمُوعُ بِحُورُ"، وهي صورة عاطفيّة مبالغ فيها، وإن كانت تعكس ما رآه الشاعر في عيون جمهور المُشيعين للفقيد.
7- التوازي (حُسْن التقسيم):
وهو مصطلح حداثويّ وتقنية بنائيّة، ويقابلها في البلاغة القديمة مُحسِّنٌ بديعيّ يُعرف بـ(حُسْن التقسيم)، وقد وظّفه شاعرنا الطائي بهدف إحداث نوع من الموائمة الإيقاعيّة ذات الأثر الدلاليّ، وتمّ رصده في القصيدة على صورتين:
([أ] التوازي التركيبي)، في قوله: "بَحْرُ النَّدَى، شَمْسُ الْهُدَى، بَدْرُ الدُّجَى"، وهي ثلاث تشبيهات بليغة متوازية ومتوالية، يُعدِّد الشاعر من خلالها صفات الفقيد ويُراكمها، ليقف أمامها القاريء والمستمع متأمّلين. ومن التوازي التركيبي أيضا قول الشاعر: "الْخِطَابَةَ وَالْكِتَابَةَ وَالنَّدَى"؛ وهو توازٍ جاء في محله لإبراز شمول الخِصال التي حبا الله بها العلّامة إبراهيم العبري.
([ب]التوازي الدلالي)؛ لتأسيس البعد الوعظي في القصيدة، ويظهر من توظيف الشاعر (المقابلة) كمحسنٍ بديعيّ، ويضع القاريء في مقارنة منطقية بين الدنيا والآخرة، كما في قوله: "يَا خَاطِبَ الدُّنْيَا فَدَعْهَا/ فَاعْمَلْ لِأُخْرَاكَ".



