ريتّا دار
قبل السفر بأسبوع، تدخل حياة المغترب مرحلة غريبة جدًا لا أعتقد أن العلم نجح في تفسيرها حتى الآن.
مرحلة يكون فيها الإنسان موجودًا جسديًا في بيته.. لكن عقله بالكامل -وبعض أعضائه الأخرى- داخل حقيبة مفتوحة على الأرض.
هذا ما يحدث لي حاليًا.
أمشي في البيت وأتوقف فجأة لأنني تذكرت شيئًا "مهمًا جدًا" يجب أن آخذه معي.
أنظر إلى الأشياء لا باعتبارها جمادات، بل باعتبار "كم وزنها تقريبا؟".
الغريب أنني لم أسافر بعد. ما زلت هنا، لكن روحي سبقتني إلى المطار منذ أيام.
حقيبة السفر نفسها أصبحت مركز الكون.
في البداية فتحتها بهدوء وثقة، وقلت لنفسي:
"هذه المرة سأوضّب بطريقة مرتبة."
وهذه الكذبة تحديدًا أكررها قبل كل رحلة، ولا أفهم لماذا ما زلت أصدقها.
أبدأ بطيّ الملابس بعناية، وأترك أماكن منظمة، وأتصرف كأنني إحدى النساء المثاليات في فيديوهات الترتيب، وأشعر حقًا أنني امرأة ناضجة تعرف كيف تدير حياتها.
ثم، خلال ساعات قليلة، ندخل مرحلة الانهيار العصبي، أنا والحقيبة معًا.
وتتحول إلى حفرة عشوائية تُرمى فيها الأشياء تحت شعاري: "قد أحتاجه." "قد يعجبهم."
وهما أخطر شعارين عرفتهما البشرية.
فالأول يجعلك تقتنع فجأة أنك قد تواجه كل الاحتمالات الممكنة في الحياة.
برد. حر. دعوة مفاجئة. انقطاع كهرباء. نهاية العالم.
والثاني يجعلك تفقد الحس المنطقي، فتشتري أشياء كثيرة قد لا يحتاجوها لكنها ترسم بسمة على وجوه أشخاص اشتقت لهم من شهور، أو سنوات.
لهذا أحمل معي كل شيء.. تقريبًا.
أيضًا، المغترب لا يحزم أغراضه فقط قبل السفر.. هو يحاول، بطريقة غير واعية، أن يضغط اشتياقه كله داخل حقيبة.
ولهذا تبدو ممتلئة دائمًا أكثر مما يجب.
فالمشكلة هنا ليست في الوزن الحقيقي للأشياء.. بل في وزنها العاطفي.
ومن أسوأ تحديات الأسبوع الأخير.. العدّ التنازلي.
تتحول الحياة كلها إلى أرقام.
"بقي ٦ أيام." "بقي ٤." "بعد غد."
لكن ربما هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعل كل هذه الفوضى محتملة.
أنني، وسط الفوضى والحقائب والصداع.. أعرف أن هناك أشخاصًا، في مكان آخر، يعدّون الأيام أيضًا.
ثم يأتي الجسم ليشارك في الدراما. وهذه مرحلة ثابتة جدًا في أي رحلة.
قبل السفر بأسبوع، يقرر الجسم فجأة أنه لم يعد قادرًا على الاستمرار بهذه العلاقة.
ألم حلق خفيف. صداع. تعب غامض. أرق.
وكأن الجسد يقول باستياء واضح:
"آه، قررتِ السفر؟ حسنًا.. لنرَ."
وبعد بضع ساعات أكون مقتنعة تمامًا أنني مصابة بمرض نادر لن يكتشفه الأطباء إلا بعد وفاتي.
أي عطسة صغيرة تتحول عندي إلى تحقيق طبي كامل وقضية أمن قومي.
أشرب الفيتامينات وكأنني أستعد لعبور المحيط سباحة، وأراقب نفسي بخوف حقيقي، مقتنعة أنني سأنهار تحديدًا قبل الرحلة بيوم، لأن هذا ما يفعله الجسد دائمًا، يخونك في اللحظة غير المناسبة تمامًا.
حتى النوم يصبح غريبًا.
أنام وأنا أفكر: هل نسيت شيئًا؟ هل أخذت الشاحن؟ أين الجواز؟
ثم أستيقظ مذعورة لأنني تذكرت فجأة شيئًا لا علاقة له بالسفر إطلاقًا.
أعتقد أن أكثر ما يرهق الإنسان قبل السفر هو الشعور الداخلي بأن حياته كلها أصبحت مؤقتة لفترة مجهولة.
والمشكلة أن آخر أسبوع قبل الرحلة ليس أسبوعًا طبيعيًا أصلًا.
فلا أنت قادر على البدء بأي شيء، لأنك "مسافر".
ولا قادر على الاستقرار، لأن جزءًا منك غادر فعلًا.
حتى البيت نفسه يتغير. الملابس فوق الكرسي. الأغراض على الأرض.
الحقيبة مفتوحة دائمًا ترمقني بكراهية وازدراء كأنها تهددني.
وأنا أتنقل بحالة نفسية غريبة، كمرحلة انتقالية لا أنتمي فيها بالكامل إلى المكان الذي أنا فيه، ولا إلى المكان الذي سأذهب إليه.
لكن الغريب أنني، وسط كل هذه الفوضى، لستُ منزعجة فعلًا.
أشتكي طوال الوقت، صحيح.
أتذمر من التوضيب، ومن التعب، ومن الأغراض التي تتكاثر وحدها ليلًا على ما يبدو.. لكنني أتحمل كل هذا برضًا غريب.
أي شخص يراني الآن سيظن أنني أعيش كارثة لوجستية صغيرة.
وهذه حقيقة مجردة.
الغرفة نصفها أكياس وحقائب مفتوحة، والنصف الآخر أغراض غير محسومة المصير، وأنا أتنقل بينها منذ أيام كموظفة أرشيف فقدت الرغبة بالحياة.
ومع ذلك.. لا أشعر أنني متضايقة كما يجب.
حتى الصداع يبدو أخف قليلًا. وهذه الفوضى لا تبدو مأساوية تمامًا.
ربما لأنني أتذكر أهم ما في الرحلة. فبعد كل هذا التعب والتوضيب والدراما والأدوية والحقيبة التي ترفض أن تُغلق.. سأرى عائلتي أخيرًا.
ومنذ زمن طويل أيضًا.
أنا ببساطة، مشتاقة. مشتاقة لدرجة أنني مستعدة نفسيًا وجسديًا لأن أجرّ نصف البيت معي، وأن أمرض قليلًا، وأن أنام بشكل سيء، وأن أعيش شهرًا كاملًا تحت حصار الحقائب.. مقابل أن أراهم فقط.
أعتقد أن هذه هي المشكلة الحقيقية مع الغربة.
أنها تجعل الإنسان مستعدًا لتحمل كل هذا العذاب.. فقط من أجل لحظة وصول واحدة. لحظة باب يُفتح. وصوت يقول لك بفرح: "وأخيرا وصلت؟"
هذه هي الطريقة التي تهزمنا بها الغربة فعلًا.
ليس بالحزن الكبير، ولا بالوحدة الدرامية كما في الأفلام.. بل بأن تجعل الإنسان سعيدًا بشكل غير منطقي لأنه، بعد أيام قليلة، سيجلس على كنبة يعرفها منذ عمره.
وربما لهذا لا أستطيع التعامل مع كل هذه الفوضى كمصيبة واقعية.. لأن كل ما يدور في رأسي هو فكرة واحدة وحيدة: "بعد ستة أيام فقط.. سأراهم".
