عمر الكندي
حينما تخلُو قاعات السياسة ومراكز صُنع القرار في عواصم العالم إلى سُباتها العميق، تبقى نوافذ العاصمة مسقط مُضيئة؛ حيث تُدار دَفة دولة، وتُهندَس ملامح مستقبل أُمَّة بعقليةٍ مؤسسيةٍ استثنائيةٍ.
والمتأمِّل لمسيرة سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة لا يقرأ مجرد نمو اقتصادي أو إصلاحات تقليدية؛ بل يراقب تشكُّل نموذج متكامل يمكن وصفه بـ"فلسفة الهيثم"؛ فلسفة تقوم على التفكير التكاملي؛ حيث تتحرك قطاعات الدولة كمنظومة مترابطة تُدار برؤية استراتيجية بعيدة المدى، تحت ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه.
وفي قلب هذا التحوُّل، برز جهاز الاستثمار العُماني بوصفه أحد أهم تجليات السيادة الاقتصادية الجديدة. وقد تجلت ملامح هذا التحول بوضوح في التصريحات الأخيرة لمعالي عبدالسلام المرشدي رئيس الجهاز، حين أكد الاستغناء عن الشركات الاستشارية العالمية التي ساهمت سابقًا في إنتاج قراءات بعيدة عن الواقع المحلي، والتي أوقعت الشركات التابعة للجهاز في أوضاع متراجعة، مُشددًا على مبدأ سيادي عميق مفاده: "لا يمكن السماح للآخرين بالتفكير نيابةً عن الدولة".
وبدلًا من ذلك، جرى تشكيل فرق وطنية استطاعت تنفيذ مشاريع بكفاءة عالية وبتكاليف محدودة، مقارنة بفواتير استشارية أجنبية كانت ستبلغ ملايين الدولارات.
هذا التحوُّل لم يكن خطابًا نظريًا، بل انعكس مباشرة على النتائج؛ فقد سجل الجهاز خلال عام 2025 أرباحًا تاريخية بلغت 2.9 مليار ريال عُماني، وحقق عائدًا استثماريًا وصل إلى 14.6%، متصدرًا عالميًا في عوائد الأسواق العامة، ومرفدًا للموازنة العامة بمئات الملايين من الريالات.
هذه الأرقام تعكس بوضوح انتقال عُمان إلى مرحلة جديدة من الثقة بالقدرات الوطنية والسيادة المعرفية في إدارة الاقتصاد. ولم يكن حديث رئيس الجهاز بالنسبة لي مجرد تصريح إعلامي عابر؛ بل أعادني مباشرة إلى موقف شخصي عشته أثناء إعدادي دراسة اقتصادية متخصصة عن القطاع العقاري العُماني. حينها التقيتُ بخبيرٍ بريطانيٍ يعمل لدى شركة استشارية عالمية لها حضور واسع في السلطنة، وسألته بصورة مباشرة عن مستقبل العقار في عُمان، فجاءت إجابته باردة ومُحبطة؛ إذ وصف السوق بأنه "غير جيد وغير فعّال"، وأنه يواجه تحديات كبيرة لا تجعله مُطمئنًا للاستثمار.
كان ذلك الطرح متناقضًا تمامًا مع المؤشرات والحقائق الميدانية التي كنت أعملُ عليها آنذاك؛ فمعدلات النمو السياحي كانت تتصاعد، والمشاريع العمرانية تتوسع بوتيرة واضحة، كما أن قطاع الضيافة كان يعاني بالفعل من فجوة متزايدة بين حجم الطلب والطاقة الاستيعابية. وحين واجهته بهذه المعطيات، ظل مُتمسِّكًا بما وصفه بـ"المعايير العالمية" التي يعملون بها والتي تفتقر لروح المكان، وهي معايير بَدتْ لي منفصلة تمامًا عن خصوصية السوق العُماني والتحولات العميقة التي كانت تتشكل بهدوء على أرض الواقع.
لاحقًا، التمستُ هذا الخطر بشكل عملي؛ من خلال عملي المهني في الوساطة التجارية كجهة مستقلة للترويج للفرص الاستثمارية الواعدة كمدينة السلطان هيثم والمناطق الحرة، بالتنسيق مع الجهات الحكومية المعنية كوزارة الإسكان والتخطيط العمراني. كنتُ ألاحظُ ترددًا لدى بعض المستثمرين بسبب تصورات سلبية جاهزة عن السوق العُماني. وعندما كنت أناقشهم بالأرقام والحقائق، كان السؤال يتكرر دائمًا: "كيف تتناقض قراءتك مع تقارير المؤسسات العالمية التي نعتمد عليها؟".
هنا اتضحت الصورة كاملة؛ فبعض تلك المؤسسات كانت عاجزةً عن قراءة التحول العُماني الجديد؛ لأنها تنظر إلى السوق بأدوات تقليدية لا تستوعب أثر الإرادة السياسية ولا خصوصية التجربة العُمانية. ولم يتوقف هذا الحراك عند الاقتصاد فقط؛ بل امتد إلى إعادة بناء البيئة التشريعية والتنموية للدولة؛ فقد جاء تأسيس "محكمة الاستثمار والتجارة" لتعزيز الثقة القانونية وحماية رؤوس الأموال، بالتوازي مع تطوير منظومة "الحماية الاجتماعية" بوصفها جزءًا أصيلًا من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
أما على المستوى الجيوسياسي، فقد نجحت عُمان في توظيف موقعها السياسي والدبلوماسي بحكمة استثنائية، محافظةً على نموذجها القائم على التوازن وبناء الجسور، وهو ما انعكس مباشرة على البيئة الاستثمارية والاستقرار الداخلي.
وفي الوقت ذاته، شهدت قطاعات اللوجستيات والموانئ والمناطق الحرة تطويرًا متسارعًا أعاد تموضع السلطنة كمركز استراتيجي لحركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية. ولعل مخطط "مسقط الكبرى" يمثل أحد أوضح الشواهد على عمق هذه الرؤية؛ فهو لا يُعبِّر عن توسع عمراني تقليدي، بل عن فلسفة متكاملة لإعادة هندسة المدينة العُمانية الحديثة، بما يجمع بين الهوية الوطنية والاستدامة وجودة الحياة والاقتصاد الحضري المتطور.
إنَّ القراءة المُتأنيّة لمسار عُمان تكشف أننا أمام نموذج راسخ لدولة حديثة ذات سيادة اقتصادية ومعرفية ومؤسسية، تُراهن على الإنسان العُماني بوصفه محور التنمية الحقيقي. ولهذا فإنَّ وصف جلالة السلطان هيثم بن طارق بأنه "السلطان الذي لا ينام" ليس توصيفًا إنشائيًا بقدر ما هو تعبير عن نموذج قيادي يعمل بعقلية استشرافية هادئة، تؤمن بأن أمجاد الأوطان لا تُستورد، بل تُبنى بالإرادة والكفاءة والعمل الدؤوب.
