مدرين المكتومية
ذات صباحٍ مُبكِّرٍ جدًا قَصَدَ سالم إحدى الدوائر الحكومية وهو يَحملُ بيديه مُعاملةً بسيطة لا تحتمل التأجيل ولن تستغرق من المُوظف سوى بضع دقائق لتخليصها، جلس ينتظر دوره بين المُراجعين وهو يرصد عقارب الساعة تتقدم ببطء، فلا يسمع إلّا "انتظر قليلًا"، ثم "النظام متعطل"، وأخيرًا "راجعنا بعد يومين".
وحين اقتربت الساعة من الواحدة والنصف ظُهرًا، شيئًا فشيئًا يختفي موظف من مكانه، وتغلق بعض المكاتب، تاركين خلفهم عدداً لا يستهان به من المراجعين والكثير من الأسئلة التي لا إجابات لها، فخرج سالم من المكتب وهو يتساءل: هل مشكلتنا نحن المراجعين ما نحمله بين أيدينا من مُعاملات؟ أم في من أُوكلت إليهم مسؤولية تخليصها؟
إنَّنا نعلم جميعًا أنَّه في أي منظومة عمل تبقى الوظيفة العامة أمانة بالدرجة الأولى قبل أن تكون امتيازًا للعاملين بها، وهي تكليف رسمي قبل أن تكون تشريفًا لهم تُحتِّم عليهم القيام بها على أكمل وجهٍ، والعمل على تذليل الصعاب وتسهيل وتبسيط الإجراءات للمواطن البسيط الذي قد يأتي وبيده معاملة لا تحتاج لشيء، ولكنها بسبب عدم معرفته وتجاهل الموظف لها قد تصل لأيام وربما أشهر لتخليصها.
التحدي الحقيقي لا يكمُن أبدًا في الأنظمة والقوانين واللوائح بقدر ما يرتبط ارتباطًا مُباشرًا بالممارسات اليومية التي تعكس فهم المسؤول لدوره وحدود سُلطته وعمله، ومن هنا يظهر نموذج ما يُسمى بـ"المسؤول غير المسؤول"؛ ذلك الشخص الذي يشغل منصبًا ويرأس وحدة حكومية، أو يُدير مديرية ويعمل تحت إمرته عددٌ من العاملين، دون أن يؤدّي رسالته على أكمل وجه، وليس لقصور فهمه عن متطلبات عمله بقدر ما تكون الفرصة التي تُبقيه في مكانه لفترة طويلة من الزمن.
هذا النموذج لا يُقاس أبدًا بمدى حضوره وتواجده في المكتب؛ بل بمدى حضوره في هموم الناس لإنجاز مُعاملاتهم، فتجده يتوارى ويختبئ خلف كمٍ هائل من المجاملات، ويستمع فقط لما يُرضي قناعاته ورغباته وما يجعله يشعر بنشوةٍ وسعادةٍ، بينما تُهمَّش الحقائق الواضحة أمامه ليحل مكانها التزييف، وعندها تُزين وتُزخرَف له الإنجازات، ويحجب عنه القصور؛ فيعيش حالةً من الرضا الوهمي، مزهوًا بنفسه، بعيدًا كل البُعد عن واقع الأداء الحقيقي له.
وعندما يحدث ذلك، تتراءى إلى عينيك مظاهر الخلل بوضوح تامٍ؛ فتجد تأخرًا في الاستجابة للمطالب، وضعفًا في التواصل مع المراجعين أو أصحاب الشأن، وقد يصل الأمر إلى غياب شبه تام أو كامل في ساعات الدوام الرسمية، وعندما تدُق الساعة الثانية عشرة أو الواحدة والنصف تقل الحركة تدريجيًا، ويختفي الموظفون واحدًا تلو الآخر، عندها نشعر أن الخدمة العامة مرتبطة فقط بوقت لا يتجاوز منتصف النهار، على الرغم من أنَّ المسؤول أينما كان، يُفترض أن يعمل دائمًا على إيجاد حلول والتواصل والرد في أي زمان ومكان، فيكفي حجم الأعذار التي تُساق إلى صاحب المعاملة، أعذار عن عطل الأنظمة أو عدم اكتمال الأوراق، ليدور المراجع في دائرة مُفرَغة.
إنَّ ثقافة العمل دون إنجاز تُعد من أخطر ما يواجه المؤسسات ودوائر العمل، لأنها دائمًا ما تخلق بيئة تختلق الحجج لتبرير التقصير وتسهم في إضعاف وكسر روح المبادرة لدى العاملين؛ فالموظف الذي يعمل فقط لأجل تقديم الحد الأدنى أو تسجيل حضور في الوقت والالتزام بالبصمة ليحصل على مرتب كامل نهاية الشهر، لن يستطيع أن يُسهم بالتأكيد في تطوير الأداء أو تحسين جودة العمل. وفي المقابل فإنَّ المسؤول الحقيقي هو الذي يرى أنَّ على رأس سلم أولوياته وضع مصلحة المواطن في المقام الأول، وأن يكون على يقين بأن جودة العمل تُقاس دائمًا برضا المستفيدين لا بعدد الاجتماعات التي حضرها أو التقارير التي أعدها. والأغرب من ذلك أن تجد مسؤولًا يتعامل مع موظفيه باعتبارهم أدوات، يستطيع من خلالهم تمرير ما يريد، ويضعهم في مواجهة التحديات والمشاكل باستمرار، ويصنع منهم دروعًا لصد ردّات فعل الآخرين.
وتبقى الحقيقة التي لا مفر منها، أن ممارسة النقد البناء أصبحت ضرورة لتجويد العمل وتصحيح الخطأ، ومحاسبة من يُحدث التصرفات الضارة بمؤسسته، مهما كان موقع هذا المسؤول، من أعلى السلم الوظيفي إلى أدناه، ويجب على المسؤول تقبُّل هذا النقد برحابة صدر، وإدراك أن القوة الحقيقية التي يمتلكها كمسؤول لا تكمن في الكرسي الذي يجلس عليه، بقدر ما تتجلى في إمكانية تقديم خدمة مميزة للمواطنين بكل كفاءة، وهنا لا أجد خيراً من مقولة سيد الخلق نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم: "خير الناس أنفعهم للناس"، وهي قاعدة إدارية وأخلاقية جدير بكل إنسان أن يُطبِّقها، وأن يعي كل مسؤول أنه مُطالَب بتقديم كل ما يستطيع من أجل خدمة الناس، من منطلق ما يوكل إليه من مهام ومسؤوليات، دون استغلال لمنصب أو استعلاء على أداء المسؤولية، وكذلك بعيدًا عن تحقيق المصالح الشخصية أو أي شكل من أشكال التقصير في العمل.
