د. هبة العطار **
في لحظةٍ مُكثَّفةٍ من التصعيد، لم يعُد الخطاب السياسي مجرد أداة للتعبير؛ بل تحول إلى حدثٍ بحد ذاته، حين صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية محو إيران في ليلة واحدة، فنحن هنا أمام تصريح لا يُقرأ بوصفه جملة عابرة؛ بل كتكثيف رمزي لفكرة القوة المطلقة التي لا تعترف بحدود الواقع أو تعقيداته، وما لبث أن جاء الرد من إيران مُحمَّلًا بنبرة أكثر حدة، مُلوِّحًا بإعادة تشكيل خريطة المنطقة، وكأننا أمام خطابين يتنافسان في رفع سقف التهديد، لا في ضبطه، هنا، لا تعود الكلمات مجرد وسيلة، بل تصبح ساحة صراع موازية، يُختبر فيها النفوذ عبر اللغة قبل أن يُختبر على الأرض.
هذا التبادل لا يعكس فقط توترًا سياسيًا، بل يكشف عن تحول أعمق في طبيعة الخطاب الدولي؛ حيث تتراجع الحسابات العقلانية لصالح استعراض القوة، وكأن العالم عاد إلى لحظة بدائية تُقاس فيها الهيبة بقدرة كل طرف على إعلان أقصى درجات العنف الممكن. غير أن المفارقة أن هذا التصعيد اللفظي، بدل أن يرسخ الردع، قد يقوضه، لأنه يخلق التزامات نفسية وسياسية تجعل التراجع لاحقًا مكلفًا، وتدفع الأطراف إلى الاقتراب أكثر من حافة الفعل.
والمثير أن كلا الخطابين، رغم تعارضهما الظاهري، ينتميان إلى نفس البنية الذهنية التي تفترض إمكانية الحسم الكامل، وإلغاء الآخر كخيار مطروح، وهي بنية تتناقض مع طبيعة النظام الدولي المعاصر، الذي يقوم على توازنات دقيقة وردع متبادل، لا على انتصارات نهائية؛ فالعالم لم يعد يحتمل ليلة واحدة تحسم كل شيء، لأن كل فعل جذري بات يولد سلسلة من التداعيات المتشابكة التي لا يمكن احتواؤها بسهولة.
وما نشهده يتجاوز كونه صراعًا بين طرفين، ليصبح تعبيرًا عن أزمة وعي سياسي عالمي؛ حيث تتحول اللغة إلى أداة لإنتاج الخطر، لا لإدارته، فحين يُعاد تعريف الأمن باعتباره قدرة على التهديد، لا مسؤولية في تجنب التصعيد، يصبح الخطاب نفسه جزءًا من بنية الأزمة، ويغدو السؤال ليس من الأقوى، بل من الأكثر استعدادًا لتحمُّل كلفة الانفجار.
أما على مستوى الاستشراف، فإن استمرار هذا النمط من التصعيد يفتح الباب أمام مسارات متعددة، جميعها تحمل قدرًا عاليًا من المخاطر المركبة. وأول هذه المسارات هو التحول التدريجي نحو صراعات بالوكالة أكثر اتساعًا؛ حيث تتجنب الأطراف المواجهة المباشرة، لكنها تدفع بحلفائها وأدواتها الإقليمية إلى خطوط الاشتباك، ما يخلق حالة استنزاف ممتدة لا تُحسم، بل تتفاقم مع الزمن. وفي هذا السياق، تصبح الجغرافيا مفتوحة، لا حدود واضحة للصراع، ولا سقف زمني له.
أما المسار الثاني، فيتمثل في خطر الانزلاق غير المقصود؛ حيث يؤدي تراكم التصريحات الحادة مع حوادث ميدانية محدودة إلى تصعيد متدرج خارج نطاق السيطرة؛ فالتاريخ الحديث يوضح أن كثيرًا من الحروب الكبرى لم تبدأ بقرار محسوب، بل بسوء تقدير أو قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر، ومع ارتفاع منسوب الخطاب العدائي، تتآكل قنوات التهدئة، ويصبح أي احتكاك ميداني قابلًا للتحول إلى مواجهة أوسع.
في حين أن المسار الثالث، وهو الأكثر تعقيدًا، يتعلق بإعادة تشكيل بنية التوازنات الإقليمية والدولية؛ حيث إن استمرار التوتر قد يدفع قوى إقليمية إلى إعادة تموضعها، إمّا بالانخراط في تحالفات جديدة أو بمحاولة تحقيق توازنات ذاتية، ما يخلق نظامًا إقليميًا أكثر سيولة وأقل قابلية للتنبؤ، وعلى المستوى الدولي، قد يؤدي ذلك إلى تعميق الاستقطاب بين القوى الكبرى، خاصةً إذا تداخلت المصالح الاستراتيجية في المنطقة؛ بما يحول أي صراع محلي إلى نقطة تقاطع لصراعات عالمية.
اقتصاديًا، يحمل التصعيد تداعيات لا تقل خطورة؛ إذ إن منطقة الشرق الأوسط تمثل أحد الأعصاب الحيوية للطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطراب واسع فيها سينعكس مباشرة على أسواق النفط والغاز، وسلاسل الإمداد، ومعدلات التضخم عالميًا، ومع هشاشة الاقتصاد الدولي في ظل أزمات متراكمة، قد يتحول أي تصعيد عسكري إلى محفز لأزمة اقتصادية أوسع، تتجاوز حدود الإقليم.
وعلى مستوى الدول المعنية، فإن كلفة الصراع لا تقتصر على البعد العسكري، بل تمتد إلى الداخل؛ حيث تتآكل الموارد، وتتزايد الضغوط الاجتماعية، وتتراجع أولويات التنمية لصالح الإنفاق الأمني، ومع الوقت، قد تتحول هذه الضغوط إلى أزمات بنيوية تمس استقرار الأنظمة ذاتها، حتى في حال غياب هزيمة عسكرية واضحة.
لكن الأخطر من كل ذلك هو الأثر التراكمي لهذا الخطاب على الوعي الجمعي؛ حيث يُعاد تطبيع فكرة الحرب بوصفها خيارًا ممكنًا، لا استثناء كارثيًا، فحين تتكرر لغة الإلغاء والحسم النهائي، تتراجع حساسية المجتمعات تجاه كلفة الصراع، ويصبح التصعيد مقبولًا نفسيًا، ومبررًا سياسيًا.
لا تكمن خطورة اللحظة في احتمالات الحرب فقط، بل في الطريقة التي يُعاد بها تشكيل إدراكنا لها؛ فالعالم لا يقترب من حافة الانفجار بسبب السلاح وحده، بل بسبب اللغة التي تُشرعنه، وتمنحه غطاءً رمزيًا، وبين تهديدات دونالد ترامب وردود إيران، يبقى التحدي الحقيقي ليس في تجنب المواجهة فحسب، بل في استعادة عقلانية الخطاب، قبل أن تتحول الكلمات إلى أفعال، والأفعال إلى واقع لا يمكن التراجع عنه.
** أستاذة الإعلام بجامعة سوهاج المصرية
