سُلطان بن خلفان اليحيائي
هذا سؤال إداري وعلمي حاضر في أدبيّات الحوكمة الحديثة. لا يتعلّق بالأشخاص ولا بتقييم مسؤولين بأسمائهم؛ بل بكفاءة النظم وسلامة البناء المؤسسي. هو طرح عام يستند إلى مفاهيم الإدارة الرشيدة وتجارب الدول ولا يُقصد به توصيف حالة بعينها أو الطعن في أي مؤسسة أو أي مسؤول.
تشير الدراسات المعترف بها عالميًّا إلى أن أعلى مستويات العطاء التنفيذي تقع غالبًا بين السنة الثانية والسادسة من تولّي المنصب. بعد ذلك يبدأ الخطر الصامت. لا يُرى لكنه يتراكم. أفكار تتكرر وتغيير يُقاوَم وخبرة تتحوّل إلى درع يصدّ التقييم ويعطّل المساءلة. وهذا لا يرتبط بالولاء أو الإخلاص؛ بل بطبيعة البشر حين يطول البقاء وتخفت روح التجديد.
ومع مرور الوقت تتكشّف الصورة. تُختزل المؤسسة في شخص ويبهت الصف الثاني ويُقصى صعود الكفاءات وتتجمّد روح المبادرة. تبدو المؤسسة مستقرة لكنها في حقيقتها راكدة. والركود أخطر من الخطأ فالخطأ يُصحَّح أما الركود فيأكل بصمت ويُفرغ المؤسسات من روحها وقدرتها على التقدّم.
ولهذا لم تأتِ مدد الأربع إلى الست سنوات عبثًا. هي خلاصة تجارب أرادت التوازن بين إنجازٍ كافٍ ومساءلةٍ حقيقية ومنع تحوّل المنصب إلى نفوذٍ دائم. لذلك لا يكون التجديد مفتوحًا؛ بل مقيّدًا ومشروطًا لأن المؤسسة يجب أن تبقى أكبر من شاغلها وأبقى من اسمه.
ولا ينجح هذا التوازن إلا بأدوات تقييم حيّة ومحاسبة لا تعرف المجاملة. فإذا غابت تحوّل طول البقاء من استقرارٍ ظاهري إلى عبءٍ خفي ليس من الصالح تجاهله، إذ يتضخّم مع الوقت ويقوّض فرص الإصلاح.
ويُقال إن بعض القطاعات تحتاج إلى استمرارية أطول وهذا صحيح جزئيًا. لكنها تحتاج إلى تراكم معرفة لا إلى احتكار موقع. والفارق حاسم فالمعيار ليس عدد السنوات؛ بل ما أُنجز وما تغيّر وما أُضيف وقدرة المؤسسة على التكيّف والعمل دون أن تكون رهينة اسم لا نظام.
ومن هنا يبرز سؤال الحوكمة بوصفه اختبارًا مهنيًا لا مجاملة فيه. ولا يمكن قياس طول البقاء بمعيار واحد في كل الحالات.
ففي الدول الصناعية الكبرى أو في بيئات التهديد المباشر أو في الأنظمة التقنية والعسكرية المعقّدة قد يُفهم امتداد بقاء المسؤول وقد يُقبل مؤقتًا لاستكمال مشاريع كبرى. لكن حتى هنا لا يكون امتيازًا؛ بل تكليفًا مشروطًا. يُقاس بالنتائج ويُراجع بصرامة ويُجدّد بقرار لا بعادة. فإن غابت الشروط سقط المبرّر مهما علا شأن الموقع.
وفي المقابل فإن بقاء المسؤول لعقود ليس شأنًا عابرًا ولا حالة يمكن تجاوزها. قد لا يكون إدانة مباشرة لكنه سؤال إداري لا يسقط بالتقادم:
هل تحتاج أي مؤسسة تنفيذية إلى عشرين سنة لتثبت فاعليتها؟ وهل الزمن الطويل دليل كفاءة أم غطاء لغيابها؟ وهل المؤسسة قائمة بذاتها أم قائمة بشخصٍ بعينه؟
والعلم الإداري حاسم هنا. لا وظيفة تنفيذية تحتاج عقدين لتثبت جدواها؛ فالمنصب العام ليس جائزة وليس إرثًا وليس نهاية الطريق. إنّه مهمة مؤقتة تُمنح تُراقَب ثم تُسلَّم قبل أن تتحوّل إلى حقٍ يُنتزع أو نفوذٍ يُورَّث.
ليس السؤال كم بقي.. بل ماذا أنجز.. وماذا سيبقى بعده؟
الحصيلة.. طول البقاء ليس كفاءة ولا برهان نجاح.. المعيار هو الأثر.. والمعيار هو قدرة المؤسسة على الاستمرار حين يتغيّر المسؤول.
وأي نظام لا يضع سقفًا زمنيًا واضحًا ولا يفعّل التقييم والمساءلة يفتح الباب للركود مهما حسنت النوايا؛ فالدول التي تُبنى على المؤسسات لا تخشى التغيير؛ بل تصنعه وتضبطه وتحوّله إلى مصدر قوة.
الوطن لا يقوى بطول بقاء أحد؛ بل بقوة نظامٍ يُبدّل ولا ينهار ويُحاسِب ولا يُجامل.
والمؤسسات التي لا تتجدّد تذبل والأنظمة التي لا تُحاسِب تضعف والزمن إذا تُرك بلا ضابط يتحوّل من أداة بناء إلى أداة استنزاف.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا ينبغي تأجيله.. هل نُدير الزمن.. أم يستهلكنا؟
وهكذا يبقى الوطن ثابتًا لا بالأشخاص؛ بل بالمؤسسات ولا بالأسماء؛ بل بأنظمةٍ تُحاسِب وتُجدّد وتُدوّر المسؤوليات.
