بناء الوعي.. في زمن الفضاءات المفتوحة

 

 

 

مدرين المكتومية

"تربية الأبناء لا تتم عبر شبكات التَّواصل؛ بل هي جزء من أصل المجتمع العُماني عندما يتشرب أبناؤنا بعاداتنا وتقاليدنا والتمسك بالأسرة والمجتمع هي تكون سبيل نجاح المجتمع. والتقنيات الحديثة وُجدت لخدمة البشرية لكننا مع الأسف نستخدمها بطريقة سلبية جدًا، وقد أثرت على النشء، ليس في بلدنا وحسب، ولكن في جميع أنحاء العالم"، من هذا النطق السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- نناقش معًا قضية التربية في عصر الفضاءات المفتوحة، وقد دفعني موقف كنتُ شاهدةً عليه، لكتابة هذه السطور.

فما يحدث من حولنا من تطور في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، يُؤكد أننا بتنا نعيش في مساحة مفتوحة مترامية الأطراف لا حدود فيها، مساحة أصبح فيها الهاتف نافذة مفتوحة على عالم بأكمله، فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات لقضاء وقت أو ترفيه، أو منصات لتبادل الأخبار والمواضيع، وإنما تحولت إلى قوة مؤثرة بصورة كبيرة تعمل على إعادة تشكيل السلوك والوعي والعلاقات الإنسانية. ومع هذا الكم من التسارع والتحول ازدادت الحاجة لخطاب مجتمعي يتسم بالتوازن في الطرح، كما أنه يتسم بالتمسك بالثوابت والقيم الأصلية التي تميز بها المجتمع العُماني منذ الأزل.

ومن هنا جاءت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- للتأكيد على ضرورة الاهتمام ببناء الوعي.. وعي الإنسان القادر على مواكبة المتغيرات وإيقاع الحياة المتسارع المرتبط بالتكنولوجيا المتغيرة والمتطورة بين الحين والآخر، دون التفريط في هويته أو القيم الإنسانية أو الثقافية للمجتمع الذي يحيا فيه؛ فلا يمكن قياس التقدم والتنمية بعدد المشروعات أو حجم الأرصدة البنكية، ولكن بالقدرة والإمكانية التي يمتلكها المجتمع في حفاظه وتمسكه بقيمه الأخلاقية والفكرية.

صحيحٌ أننا لا يمكن أن نتجاهل أن التقنيات والتكنولوجيا الحديثة، استطاعت أن تُسهم في خلق فرص للابتكار والتعلُّم والتواصل مع الآخر، كما أنها استطاعت أن تقدم- بصورة كبيرة للجيل الحالي- مساحةً من الحرية للتعبير عن انفسهم وآرائهم والانفتاح على مختلف الثقافات الأخرى، إلّا أن هذه الانفتاح ورغم إيجابياته، يحمل في داخله الكثير من التحديات والمخاطر التي قد تؤثر على السلوكيات وتُغيِّر من الأفكار، وهو ما يستدعي قدرًا كبيرًا من الوعي المسؤول للتعامل معها، خاصة وأننا نعيش تحت ظل تدفق محتوى غير جيد وغير منضبط وليس أخلاقيا في كثير من الأحيان، الأمر الذي يتعارض وبشدة مع القيم المجتمعية والعادات والتقاليد التي تربينا عليها.

وهذا لا يعني أننا نرفض هذا التقدم الرقمي والتكنولوجي أو التخوف من الدخول في عالم من الحداثة، فهو بالتأكيد غير منطقي في ظل التعلم والتحول الرقمي الذي نعيشه، ولكن ما نتحدث عنه بالطبع هو الكيفية التي يمكن من خلالها العمل على توظيف هذه الوسائل المختلفة بما يُسهم بكل تأكيد في خدمة الإنسان والنهوض بأفكاره والعمل على حفظ استقراره الأسري، فمهما كانت هذه الأدوات الرقمية ذات قيمة مهمة وحقيقية، يكون الفاصل فيها هو طريقة استخدامها وتكيفها لمصلحة الأعمال الإيجابية.

لذلك يقع الدور الكبير والأساسي في مثل هذه الحالة على الأسرة؛ كونها نواة المجتمع، والأساس في تنشئة الأبناء وتشكيل وعيهم الذاتي، كما إن النقاش والحوار والتواصل بين الوالدين والأبناء من شأنه أن يُعزز الثقة ويفتح الفرصة أمامهم للتعبير عن أنفسهم بكل صدق، علاوة على أن الأسرة تُسهم بصورة كبيرة في تعزيز القيم والانتماء والاعتزاز بهويتهم الوطنية؛ فهي الأساس لحماية النشء من السقوط في فخ المحتوى السلبي والتقليد الغير واعي، وجنبا إلى جنب تتحمل المؤسسات التعليمية والإعلامية أيضا المسؤولية بالتوازي للعمل على ترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول للتقنية والتكنولوجيا الرقمية، والعمل على تقديم محتوى هادف يُسهم في تعزيز المواطنة.

إنَّنا كمجتمع عُماني عُرِفَ عنَّا منذ القدم وعبر تاريخنا الطويل، التسامح والاعتدال والترابط الاجتماعي، وهو ما شكَّل وساهم في ما نراه عليه اليوم من قوة وتماسك أمام كل التحديات والمواقف التي تحدث من حولنا، ونحن اليوم في خضم الطفرة الرقمية المتسارع خُطاها، فإننا أمام مسؤولية جماعية كبيرة تُحتِّم علينا العمل بكل تكاملٍ من أجل الحفاظ على جميع ما تحقق من مكتسبات، ومواصلة العمل على بناء جيل واعٍٍ يملك القدرة الكاملة على التفريق بين الانجراف الثقافي والتقليد، وبين الانفتاح الحضاري المتوازن والإبداع.

الأكثر قراءة

z