قائد يهدم ما لا يفهم!

 

 

 

فوزي عمار

 

عندما سقط الاتحاد السوفيتي، لم تسقطه دبابات الناتو ولا قنابل أمريكا. أسقطه ميخائيل جورباتشوف من الداخل، وهو رجل جاء بإصلاحات "البيريسترويكا" ففكك الإمبراطورية دون أن يقصد، وخسر الحلفاء واحدًا تلو الآخر حتى انهار البيت على رأسه.

اليوم، والسؤال يطرح نفسه بقوة: هل يفعل دونالد ترامب بأمريكا ما فعله جورباتشوف بالاتحاد السوفيتي؟

جورباتشوف خسر حلف وارسو عندما شعرت دول أوروبا الشرقية أن موسكو لم تعد تحميها ولا تحترمها. ترامب يسلك نفس الطريق مع الناتو. تهديده المتكرر بالانسحاب من الحلف، وطلبه من الأوروبيين "دفع الفواتير" وكأن الحلف شركة حراسة، جعل برلين وباريس تبحث عن "استقلال استراتيجي" لأول مرة منذ 1945. وعندما يعلن علنًا رغبته في ضم جرينلاند من الدنمارك وهي حليف في الناتو فهو يوجه رسالة لكل أوروبي مفادها أن واشنطن لم تعد شريكًا، بل خطرًا يطمع في أرضك.

جورباتشوف فقد بولندا والمجر بالتجاهل، وترامب يخسر أوروبا بالجشع.

الاتحاد السوفيتي انهار عندما تمردت جمهورياته. أمريكا كانت تملك حديقة خلفية في أمريكا اللاتينية تضمن ولاءه بالدولار أو بالانقلابات؛ فبعد "عملية فنزويلا" العقوبات الخانقة، والتهديد بالتدخل العسكري، والاعتراف بحكومة موازية لم يبق لأمريكا حليف آمن جنوبًا. وحتى البرازيل وكولومبيا، الحليفان التقليديان، صارتا تبحثان عن توازن مع الصين في مجموعة بريكس. ثم جاء قرار السيطرة على مضيق بنما بحجة حماية الأمن القومي، فتحولت القارة بأكملها إلى جبهة عداء. ترامب تعامل مع المنطقة بمنطق إما معي أو ضدي، فخسر الجميع تقريبا.

كان جوهر عبقرية النظام الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية بسيطًا: أنت تحمي حلفاءك، وهم يضمنون لك النفط والملاحة. ترامب قلب المعادلة. شنّ ضربات على إيران دون تنسيق مع الرياض وأبوظبي، فأشعل المنطقة دون أن يحمي حلفاءه. تعرضت ناقلات النفط الخليجية لهجمات إيرانية، ووقفت واشنطن عاجزة أمام الكاميرات. أدركت دول الخليج أن أمريكا قد تشعل حربًا ثم تتركهم يواجهون تبعاتها. بدأوا يفكرون في دفع ثمن الحماية للصين وروسيا أيضا، فتحوا خطوطًا مع بكين وموسكو.

جورباتشوف فقد حلفاء أوروبا الشرقية لأنه لم يعد قادرًا على حمايتهم. ترامب خسر حلفاء الخليج لأنه أصبح سبب تهديدهم، لا درعهم.

جورباتشوف اكتشف أن سباق التسلح وإطعام الحلفاء أفلس موسكو. ترامب يردد يوميًا أن أمريكا منهوبة وأن القواعد الخارجية وحماية تايوان وأوروبا تكلف تريليونات.

النتيجة واحدة: تقليص الالتزامات الخارجية، وتفكيك شبكة النفوذ. الفرق أن جورباتشوف فكك وهو يبتسم ويتكلم عن السلام، أما ترامب فيفكك وهو يصرخ أمريكا أولًا، لكن النتيجة الجيوسياسية متطابقة.. فراغ تملؤه الصين وروسيا.

جورباتشوف فتح حرية التعبير؛ فانفجرت القوميات داخل الاتحاد السوفيتي، ترامب فتح حربًا ثقافية داخل أمريكا نفسها جعل نصف الشعب يرى النصف الآخر عدوًا. مؤسسات الدولة صارت محل شك، والانتخابات محل طعن، والإعلام عدو الشعب. الإمبراطورية التي لا يثق أهلها ببعضهم لا تحتاج عدوًا خارجيًا ليسقطها.

جورباتشوف لم يرد هدم الاتحاد السوفيتي، لكنه هدمه. ترامب يقول إنه يريد جعل أمريكا عظيمة مجددًا، لكن طريقته هي خسارة الحلفاء في أوروبا وأمريكا اللاتينية والخليج، واحتقار الجوار، وشرخ الداخل، والتوسع في جرينلاند وبنما بدل حماية كييف وعداء كندا. هي وصفة تفكيك إمبراطورية مجربة.

الفرق الوحيد أن جورباتشوف فكك الاتحاد السوفيتي من الداخل بسياسات انسحابية. أما ترامب فيفكك الإمبراطورية الأمريكية من الخارج والداخل معًا. السؤال ليس هل سيكون ترامب جورباتشوف أمريكا؟  السؤال هو: بعد أن يغادر ترامب المشهد، هل سيبقى من أمريكا شيء اسمه حلفاء؟ أم سنجد أن الصين وروسيا قد اقتسما ما كان يسمى النظام العالمي بقيادة أمريكا؟

الأكثر قراءة

z