ماجد المرهون
هبَّت رياح التوجس من كل جانبٍ، واستثارت الغبار ليختلط مع الدخان حول مقهى الحقيقة الضائعة الذي يتوسط المدينة، ببيوتها القديمة والتقليدية المُعانقة للبيوت الحديثة المتطورة في ظلال الأعمدة الزجاجية العملاقة، حيث يجلس الصديقان يعرب وفارس متقابلين على الطاولة ويرقبان حشودًا من الناس في الخارج، وقد انقسمت فرقًا وأسرابًا، وكلٌ يلوح برايةٍ يعتقد يقينها ولا يدرك وعيه مدى التناقض بين الشعارات، وتدفع الصديقين في المقهى ميولُ النموذج الصلب المُكتسب بالولادة وخلائج عواطفٍ من شدٍّ وجذبٍ لقبول موقف أحد الأطراف بترجيح كفته، ثم ما يلبث أن يُشكك فيه ويحيد إلى الطرف الآخر لقوة حجته، وتستمر مغالطة تلك المُفاضلة طويلًا بين مدٍّ وجزر، حتى يُباغتهما النادل بسؤالهما عن القهوة والشاي، غير مُعتذرٍ لتدخله المفاجئ وتأخره، وإنما مُبررًا ومتحججًا بالظروف السائدة.
يجلس يعرب متكئًا، وهو مُتجلببٌ بعباءةٍ مُجعدة السردية، حاكتها خيوط الظل لتُلهمه طمأنينة المُنقذ، ويسند ظهره إلى جدارٍ مُوشَّى بنقوش من خط النستعليق، وعقله يحدثه بأن الجدران ستزدان أكثر بالخط الكوفي وتزداد جمالًا مع جهله بفنون الخط العربي، إلا أنها دغدغةُ مشاعر بريقٍ عتيق من مجدٍ غابر تعتمل بداخله وتُسقط نقصها في نفسه على مرارة حاضره المُربك الذي نسجته أيدي الآخر البعيد، وقدمه له أحلامًا مُجسدة على طبقٍ براق، زاعمًا بأنه درعٌ واقٍ صُنع من نور، بيد أن واقعه غير المُدرك كان قيدًا شفافًا للحرية من خيوط حريرية.
حاول يعرب أن يخرج ليخطب في الناس ويده اليمنى في جيب عباءته الواسعة، ليُحدثهم عن النهضة والتطور والحرية، مُعتقدًا أنه يمتلك مفاتيح القوة وأسباب المعرفة ومُمكنات السيادة والقيادة، وكلما همَّ بالوقوف لمست أصابعه قفلًا، حتى إذا تأكد بأنه يحمل في جيوبه أقفالًا كثيرة بلا مفاتيح، أيقن أن المواجهة لن تجدي نفعًا، لأن الأحلام التي كان يحققها ما هي إلا اقتياتٌ مُمنهج على فُتات الوعود الهُلامية، ولكنها استصلبت بمرور الوقت وباتت وهمًا مُبجَّلًا يسبح في فضاء شاسعٍ من الضلال والزيف، فآثر أن يُعارض الكذبة بتصديقها ولو مؤقتًا، لئلا يواجه الغبار المتصاعد من وطأة أقدام الحشود المستاءة فوق الأرض الجافة، ومع أن الغيوم غالبًا ما تتراكم في الأفق البعيد، إلا أنها لا تُنذر بالقطر، وإن فعلت تُعاجلها أعمدة شمسٍ أكثر حرقةً من سابقتها بالتكسير والتشتيت.
على الضفة المقابلة من طاولة المقهى، يجلس فارس في صمتٍ طويل متفرسًا في التداخلات والشقوق، وهو يُشكل بأصابعه على الخشب دوائر غير منتهية كزخرفة سجادةٍ تبريزية، وربما هو في تعبيره اللاواعي يُجسد فكرًا ضاربًا في القِدم ومفهومًا موغلًا في عمق الوجدان المسكون بالحقائق والأساطير، ولم يكن يثق بالأصوات خارج المقهى، ويعتقد أنها مرحلية وستخفُت سريعًا كثقته التامة بالأضواء الوهمية القادمة من وراء بحر الحشود، لأن تقديسه الوحيد كان للشعلة التي يوقدها أسلافه من زيت تاريخهم، فيغوص في مفهوم الحرية تارةً وفي ذكريات الإمبراطورية تارةً أخرى، باحثًا عن حقيقة لا تُمررها قنوات المركزية العالمية، ولا تُخفي عزلته الفكرية خشية تحول بصيص الأمل إلى قيد، ويغدو فخره بالذات جدارًا يحجب عنه شروق الواقع الذي بدأ بالتغيُّر.
تشظِّي الخلاف وغياب الحقيقة يشطر العامة خارج المقهى فئاتٍ مُصطرخة، ولكنها مُتقاربة فكريًا من حيث تغليب المصلحة العامة، إلا أن جمهوريتين عظيمتين فرقهما اختلاف بلغ المبدأ في عمقه؛ ففريقٌ يرى في يعرب انفتاحًا ومستقبلًا، وإن تحلى بعباءةٍ غير تقليدية، ويصفقون لكل كلماته المنقولة عبر مكبر الصوت، أو ما يقتبسها ويُترجمها من أقوال غيره، ظانين أنها وحي من السماء، وقد تكون خاطئة، لكن لن يُكلف أحد نفسه عناء المراجعة والبحث، والفريق الآخر انغلق على نفسه وانزوى بعيدًا، ومُسلِّمًا لفارس ضمانة المُخلِّص الحقيقي، وأن كل ما دونه رجس، فتصنموا قداسة الماضي واعتقدوا بالرمزية المُطلقة دون اعتماد المضمون، وقالوا لا بأس من العودة في اليوم التالي لاسترضاء من خالفهم.
مع اختلاط الوقائع والتبدل السريع للأحداث، كانت الحقيقة بين هؤلاء وأولئك تمشي مُتبرجةً في الشارع دون أن يتعرف عليها أحد، فما كان بالأمس تقاربًا بات اليوم تباعدًا، وما كان يقينًا أصبح شكًا، وما يبدو نصرًا تحول هزيمة، وربما العكس، فالغيوم لا تزال في الأفق، وكل التنبؤات بلا تأكيد، وتختتم تقاريرها برد العلم لله.
بعد رشفة القهوة: يا فارس، لقد ألبسوني رداءً أعرض من أكتافي لأبدو ضخمًا، وكلما تعثرت بأذياله قالوا ضرورات المرحلة بغية التقدم، فما رأيك أن نُجبر النادل معًا للسماح بدخول ممثلي الحشود للتفاهم معهم؟
يا يعرب: أنا أطارد روحي في سراديب الماضي، ولا أقدم لك تجربة الشاي بالزعفران لأنك ترضخ للنادل في إصراره عليك بالقهوة، وكأن القرار ليس بيدك، وكيف لك بسؤالي ولا زلت أحلم بكسر قيودي، وأنت غارقٌ في عباءتك، بينما يتجاهل كلانا الفجوة التي تفصلنا عن هؤلاء الناس في الخارج، وهم يهتفون بأسمائنا ولا يعرفوننا، ويحملون شعارات لم يكتبوها، ويخوضون صراعًا لم يختاروه؟!
يعود الصديقان للسكوت والاتكاء، فيلمس الأول خيوط عباءته، ولكنه يشعر بالبرد في الصيف، ويلوذ الآخر بعزلة تخطيطه وصمته المُعتاد وسط الضجيج، والنادل يرمقهما غير بعيدٍ من طرفٍ خفي، وقد أغلق عليهما، مع أول قطرة مطر، باب مقهى الحقيقة الضائعة.
