كارثة جغرافية شخصية

 

 

 

 

ريتّا دار

darrita936@gmail.com

 

هناك نوع من الناس لا يمكنك أن تعتمد عليه إذا طلبتَ منه وصف الطريق، لا لأنهم سيئو النية، ولا لأنهم لا يريدون مساعدتك، بل لأنهم ببساطة.. لا يعرفون.

تقول لأحدهم: "كيف أصل إلى المكان الفلاني؟" فيأخذ نفسًا عميقًا، ويبدأ بثقة لافتة: "سهل جدًا.. امشِ مباشرة، ثم انعطف يسارًا.. أو يمينًا.. لحظة..". وهنا يبدأ الانهيار!

يتوقف، ينظر حوله كأنه ينتظر أن تأتيه الإلهامات من المباني، ثم يقول الجملة الكارثية: "يعني.. هو قريب من هنا".

هذه الفئة من الناس لا ترى المدينة كما نراها نحن. نحن نرى شوارع، إشارات، اتجاهات واضحة. هم يرون.. أماكن حدثت فيها أشياء.

"هذا الطريق فيه مطعم أكلتُ فيه مرة".

"من هنا ضعتُ الأسبوع الماضي."

"هناك كُشك اشتريتُ منه ماءً عندما كنتُ متوترة".

الخريطة في رأسهم ليست خريطة. هي ألبوم ذكريات.. سجل عاطفي للأماكن.

ولهذا فإن وصف الطريق لهم ليس مسألة اتجاهات. بل إعادة سرد قصة.

أذكر أنني كنتُ مع إحدى هؤلاء في يوم عادي جدًا، وقررنا أن نذهب إلى مكان قريب. قريب جدًا. درجة القرب التي تجعلك لا تفكر أصلًا في استخدام الخرائط.

قلتُ لها: "أنتِ تعرفين الطريق، صحيح؟"

قالت بثقة: "طبعًا."

وهذه الكلمة تحديدًا يجب أن تقلقك.

بدأنا السير. خطوتان، ثلاث، خمس.. ثم انعطفنا. ثم انعطفنا مرة أخرى. ثم توقفت.

نظرتُ إليها. نظرتْ إليّ. قالت: "غريب… ليس من هنا."

وهنا تبدأ المرحلة الثانية: الإنكار.

تمشي بثقة مصطنعة، وكأن المشكلة في الشارع، لا في ذاكرتها.

"أكيد غيّروا الطريق.".. "أشعر أننا قريبون.".. "هذا المكان مألوف."

كل الأماكن تصبح مألوفة فجأة عندما تضيع.

مرّت عشر دقائق. ثم عشرون. ثم بدأنا نمرّ بنفس البناية للمرة الثالثة.

قلتُ لها بهدوء: "مررنا من هنا."

قالت بسرعة: "لا، هذه بناية مشابهة."

في هذه اللحظة، المشكلة لم تعد في الطريق.. بل في كرامة الشخص الذي يقودك.

في النهاية، أخرجتُ هاتفي. بحثتُ عن الموقع. ظهر الطريق بوضوح شديد، لا لبس فيه.

نظرتُ إليها. نظرت إلى الهاتف. ثم قالت الجملة التي يقولها كل من ينتمي لهذه الفئة: "كنتُ سأصل.. لكن أردتُ التأكد فقط."

ومنذ ذلك اليوم، صرتُ ألاحظهم. هؤلاء الذين يضيعون بسهولة. الذين يثقون بذاكرتهم أكثر مما ينبغي. الذين يقولون "أعرف الطريق" ثم يقودونك في جولة سياحية غير مخطط لها.

الذين لا يستطيعون التمييز بين اليمين واليسار دون تفكير. الذين يشيرون بيدهم في اتجاه، ويقولون كلمة في اتجاه آخر.

الذين، إذا دخلوا مكانًا جديدًا، يخرجون منه.. من باب مختلف تمامًا، ثم يقفون في الخارج في حيرة، كأن العالم تغيّر أثناء وجودهم في الداخل.

الغريب أن هؤلاء ليسوا أغبياء. على العكس تمامًا. قد يكونون أذكياء جدًا، ناجحين، منظمين في كل شيء.. إلا هذا. الاتجاهات تحديدًا.

كأن هناك جزءًا في أدمغتهم قرر ببساطة أن لا يعمل.

هناك عرض جانبي دائم يرافق هذه الفئة، لا ينتبه له كثيرون. حين يضيعون.. لا يطلبون المساعدة مباشرة حتى من هواتفهم.

لا، لديهم طقوس.

يتوقفون أولًا. ينظرون حولهم بتركيز مبالغ فيه، كأنهم يدرسون المكان لاكتشاف خطأ معماري. ثم يمشون ببطء في اتجاه عشوائي، لكن بثقة عالية، وكأنهم يقولون للناس: "أنا لا أبحث.. أنا أتأكد."

ثم يتوقفون مرة أخرى. يخرجون الهاتف. لا ليفتحوا الخريطة، بل لينظروا إليه قليلًا، يقلبوه، يعيدوه إلى جيبهم.. وكأنهم استشاروه سرًا.

وأخيرًا، بعد كل هذا الأداء.. يفتحون الخريطة. لكن الأهم من كل ذلك.. أنهم، حتى في هذه اللحظة، لا يعترفون بأنهم ضاعوا.. حتى لأنفسهم.

وهذا، في رأيي، هو أخطر جزء في ضعف الإحساس بالاتجاهات.. ليس أنك تضيع.

بل أن تضيع.. وأنت مقتنع تمامًا أنك تعرف الطريق.

كنتُ أراقبهم بشيء من الدهشة، وأحيانًا بشيء من الشفقة الخفيفة. كيف يمكن لإنسان أن يعيش هكذا؟ أن يضيع في أماكن يعرفها؟ أن يحتاج إلى خريطة ليصل إلى مكان زاره عشر مرات؟

كنتُ أظن أنني مختلفة.

حتى حدث ذلك اليوم. خرجتُ من مكان أعرفه جيدًا. مكان زرته مرات كثيرة. مشيتُ بثقة.. انعطفتُ.. ثم توقفت.

نظرتُ حولي. كل شيء بدا مألوفًا.. وغريبًا في الوقت نفسه.

ثم سرتُ في اتجاه آخر. ثم آخر. ثم وجدتُ نفسي.. أعود إلى نفس النقطة.

توقفتُ. نظرتُ إلى المبنى. ثم إلى الشارع. ثم إلى نفسي، للمرة الأولى، بشك حقيقي.

فتحتُ الخريطة. النقطة التي أقف عندها كانت واضحة. والطريق.. أبسط مما توقعت.

وقفتُ لحظة، أحدّق في الشاشة. ثم رفعتُ رأسي، وضحكتُ.

لقد أدركتُ أخيرًا.. أنني لم أكن أراقب الذين يعانون من اضطراب التوجه المكاني من الخارج.

كنتُ واحدة منهم طوال الوقت.

فقط.. لم أكن أعرف الطريق إلى هذه الحقيقة بعد.. ولم أكن قد اكتشفت كارثتي الجغرافية الشخصية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z