محمد بن رامس الرواس
في هذا الفضاء السيبراني الشاسع أصبحت الحسابات الوهمية سجلات منظمة في وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها حسابات تهدف إلى اختراق الوعي المجتمعي الآمن بهدف إعادة تشكيل القناعات الأصيلة بمجتمعاتنا بأساليب ملتوية ومن خلال سيكولوجيا التضليل.
كيف يُصنع هذا الزيف؟ تبدأ اللعبة بانتحال الشخصيات؛ حيث يتم بناء "بروفايل" رقمي يرتدي رداء المصداقية والوقار، ليمنح الزيف ثقلًا لا يستحقه. ثم تأتي المرحلة الأخطر وهي التمويه، حيث يتم تمرير التحريض وبث الكراهية والضلال تحت غطاء ما يسمى بالعقلانية أو النقاش الموضوعي، مما يجعل السمّ يبدو دواءً في أعين البسطاء من الناس، وأخيرًا يتمترس هؤلاء خلف ستار رقمي هاربين من المساءلة الأخلاقية والقانونية، مما يمنحهم جرأة الجبناء. في طعن الحقائق من وراء حجاب.
إن مواجهة هذه الموجات من الزيف لا تتطلب تكنولوجيا متقدمة بقدر ما تتطلب يقظة فكرية من خلالها تبدأ الحلول بصرامة التحقق؛ فلا نمنح ثقتنا لمصدر مجهول الهوية مهما بلغت جاذبية طرحه، يتبع ذلك الامتناع الواعي عن إعادة نشر أي محتوى يُثير الشك، لقطع الطريق على انتشار العدوى، إن المسؤولية الفردية هنا تتحول إلى أمن قومي وفكري، حيث يُسهم الإبلاغ عن هذه الحسابات المشبوهة في تنظيف الفضاء الرقمي من شوائب التضليل، وصولًا إلى مرحلة تثقيف المجتمع ونشر الوعي الذي يحول الفرد من مستهلك سلبي إلى حارس للوعي.
لذلك لابد من استخدامنا لاستراتيجية فعالة لمواجهة هذه الظاهرة وللقضاء عليها أو تحجيم أثرها على الأقل، لأجل ذلك يتوجب علينا تبني نهج ذي ثلاثة أبعاد أولها: التحصين المعرفي عبر إدراج التربية الإعلامية في المناهج لتعريف الأجيال بأساليب التلاعب الرقمي، وفي خطب الجوامع ومن خلال جمعيات المرأة لتثقيف الأمهات بالبيوت بجانب التوعية بالأندية الرياضية وتفعيل المبادرات الشبابية عبر بث أنشطة توعوية. وثاني هذا النهج تفعيل القوانين الرادعة ضد الجرائم المعلوماتية وتطوير آليات تقنية حديثة لرصد السلوكيات الآلية التي تحرك هذه الحسابات. وثالث أمر في هذه الاستراتيجية تحفيز المستخدمين على بناء بيئات رقمية تقوم على التوثيق والشفافية وجعل هذه الحسابات المجهولة منبوذة اجتماعيًا وتقنيًا.
وختامًا.. اقولها بكل أمانة، نحن اليوم في عالم الرقمنة في صراع بين الحقائق الأصيلة والحقائق المزيفة التي تختفي خلف الأقنعة، فهل ننجح في حماية عقولنا من أسر الأقنعة الرقمية؟
