ماجد المرهون
لطالما سمِعنا عن نظرية المُؤامرة التي باتت واسعةً فضفاضة يتوه في سِعتها الحق والباطل، وتعزُب باللبيب في الحكم بالتصديق والتكذيب، مما يضطر مُعظم الناس حول العالم إلى الوقوع في المنطقة الضبابيةِ بين الحقيقة والزور والزيف، حتى أن الأمر وصل إلى درجة السخرية والتهكُّم أحيانًا، بل يُرمى بوصمة تصديق نظرية المؤامرة كل من تحدث في شأنٍ مُهم، وهذا ما يُراد لها وهو تحول ما يبدو كحقيقةٍ إلى وهم طالما لا توجد إمكانية إثباته، بمعنى إذا شاهد الناس شيئًا بأم أعينهم وأيقنوا حقيقته وكان لتلك الحقيقة انعكاس سلبي على الشأن السياسي أو على شخصياتٍ اعتبارية فإنَّ الحقيقة ستتحول إلى التشكيك لعدم وجود أدلةٍ علمية أو وثائق صلبة تؤكِّدها.
ستُحول الحقيقة إلى وهم أو زيف وبالتالي تجد طريقها مباشرةً إلى ملف نظرية المؤامرة الضخم، مثل ما كان يُطلق على جماعة البُستان البوهيمي في كاليفورنيا حول أشجار السيكويا العملاقة، أو الشعاع الأزرق الذي شاهده الكثير من الناس قبل وقوع الزلازل بعدة دقائق وصوروه بهواتفهم وتناقلوه، وكذلك الأصوات الغريبة المُسماة أبواق السماء وغاز الكيمتريل الذي لم يجد له إثباتًا حتى الآن، أو طقوس عبدة الشيطان وتقديم القرابين البشرية واغتصاب الأطفال وأكل لحومهم.
نسمع كثيرًا عن فئةٍ سريةٍ تحكُم العالم وهي فكرة سرابيِّة واقعة بين الحقيقة والخيال، وبالطبع ستبقى كذلك ما لم تُكشف وستستمر نظرية المؤامرة في اعتبار تلك الفئة ضمن ملفها، ومن يقول بوجودِها يتعرض للإهانة وربما الاحتقار ولما هو أبعد من ذلك لعدم وجود دليل، مع أن الأحداث تشي بوجودها وسلطتها النافذة، إلا أن المنطق يتطلب الاستشهاد بالوثائق والقرائن التي لا تذر مجالًا للشك، وحتى إذا وجدت فإنَّ قانون الأمن القومي سيحجبها فورًا.
كُنَّا قد تحدثنا منذ فترةٍ طويلة ماضية- وعلى صفحات هذه الجريدة الغراء- عن قضيةِ جيفري إبستين الغامضة والمشبوهة وعن جزيرتهِ الواقعة بين الحقيقة والخيال، وكان الحديث يُلمِّح بالعِبارة والإشارة دون شرحٍ طويل أو إسهاب في التفصيل، نظرًا لحالة عدم اليقين وتجنبًا للوقوع في خِزي السخرية من مُناهضي نظرية المؤامرة، بيد أنَّ الباطل لا يعدو قدرهُ ويأبى الحق إلا أن يظهر ويتجلى ولو بعد حين، ولعلَّ ما تم الإعلان عنه عبر ملايين الوثائق خير شاهدٍ وأكبر دليل على وجود قوةٍ ظلاميةٍ تُحرك خيوط اللعبةِ من وراء الستار، ولا تعنيها المسألة الإنسانية، بل إنها تضرب بكل الأخلاقيات حتى أبسطها عرض الحائط لتبقى مُتسيدةً ومُسيطرة، وإن كان باستخدام الرذيلةِ والابتزاز، ولا مانع من ذلك طالما أنها وسائل تبرر بها الغايات وهذا مبدأ فلسفي ورد تشريعه وتحليلهُ في التُلمود ويبيح استعمال وسائل النفاق والخداع والأساليب المُحرمة لتحقيق الأهداف، كما لا ينبغي التوقف أمام الوسائل أيًا كانت أو الضحايا مهما كانوا للوصول إلى الهدف بحسب البند الخامس عشر من بروتوكولات حكماء صهيون، وقد قال نيقولا ميكافيلِّي في كتابه "الأمير" على هذا المبدأ باعتبار أن الوسائل المُحرمة مقبولة إذا كان للهدف أهمية.
كان جيفري إبستين في نهاية ثمانينيات القرن الماضي رجلًا مغمورًا، ومعلم رياضيات فاشل لم يستمر في وظيفته، فكيف لمثل هذا النوع من الأشخاص أن يُنشئ إمبراطورية مال ونفوذ ولا تغيب عنها الشمس والقمر وفي أقل من 16 عامًا؟! سؤال مطروح خارج نظرية المؤامرة بعد أن كان داخلها، مع أن الأمر واضح وبسيط جدًا وقد كشفته وثائقه المعلنة، فالجواب هو علاقته بالموساد، إذ لم يكُن سوى عميلٍ رخيص منذ زمنٍ طويل يزيد عن العقدين، ويُحركه الكيان المُحتل من خلال ربطة بعلاقةٍ مع الآنسة "غلين" ومن تكون غلين؟ هي ابنة الملياردير الصهيوني "روبرت ماكسويل بنيامين" الذي توفي في ظروفٍ غامضة على متن يختهِ في جزر الكناري ثم قالوا توفي بنوبة قلبية لتقوم دولة الكيان المُحتل بتكريمهِ ودفنهِ في القدس.
هيا بنا الآن نتساءل ونربط الأحداث كما أشرت لها سابقًا في أحد المقالات بعنوان (تقلُّب الآراء)، فهل يبدو لكم أن الأمور تسير بشكلٍ طبيعي لا سيَّما في التقلُّب المُريب لآراء ومواقف كبار الساسة وبعض رؤساء دول العالم؟ وهل يبدو لكم قبول بعض المشاهير والمؤثرين ومُلاك مواقع التواصل والقنوات الاخبارية العالمية بما يحدث في غزة لأكثر من عامين أمرًا طبيعيًا أم هناك قوةٍ خفية تضغط عليهم؟ وهل الدعم اللامحدود للكيان الإسرائيلي منطقيًا وهو يجري عكس الإرادة الشعبية الأمريكية لدافعي الضرائب؟ ولماذا يُوافق كُل الرؤساء الأمريكيين مُنذ بيل كلينتون إلى دونالد ترامب على كُل ما تريده وتقوله إسرائيل؟ هل لأنهم يحبونها جدًا أم أن العميل إبستين وأمثاله قد وثَّقوا ضدهم كُل شيء ويبتزُّونهم به؟ سؤال أخير يفرض نفسه، من هو يا ترى جاريد كوشنير صهر ترامب وزوج ابنته التي تحولت من النصرانية إلى اليهودية، ومن هو والده؟
أجزم اليوم أن جيفري إبستين ما هو إلا عميلٍ واحد مات أو قُتل في سجنهِ بعد أن فضحه غباؤه، ومثلهُ من العملاء الذين لا يزالون ينعمون بالحرية كثيرا، ويقومون بدورهم إلى هذه الساعة، وما كشفتهُ الحقائق إلا مجرد فرقعةٍ إعلامية مُخطط لها ولها هدفها وغايتها في هذا الوقت بالذات، وتقول لكلِ من شق عصا الطاعة أو أبدى تخاذلا أو عدم تجاوب بأننا المُتحكِّمون، وقادرون على فضحك عالميًا في أقل من ساعة وإن كُنت رئيسًا لدولة.
أخيرًا، يظهر لنا العالم الغربي وساسته وشخصياته المرموقة يومًا بعد يوم مدى سوء أخلاقهم وانحطاطهم بالوقوع في أقذر الشهوات والملذات، وأفظع المُمارسات التي لا تقبلها الفطرة الإنسانية والحيوانية، ثم يظهرون على المنابر والشاشات والأخبار وهم يحدثون الناس الأسوياء عن الإنسانية ويقدمون لهم دروسًا في النزاهة والأخلاق.
