د. عبد الله الأشعل **
موقف ألمانيا من إيران موقف سلبي من جميع الوجوه في الغالب تفسيره أنَّه مجاملة لإسرائيل وخوف عليها.
إذا كانت ألمانيا فيما تعتقد تواطأت مع إسرائيل في البداية سنفهم أنَّ استمرار دعمها لإسرائيل رشوة لإسرائيل حتى لا تنكشف الفضيحة. وأكدنا في مقال سابق أن موقف ألمانيا من إسرائيل مشبوه؛ فكيف تعطي حكومة ألمانية تعويضًا لرعاياها الألمان من ديانة أخرى لدولة أخرى؟ وكيف سمحت ألمانيا للصهاينة الألمان أن يساهموا في نشأة إسرائيل؟
يكفي أن الحكومات الألمانية المتعاقبة لم توضح للشعب الألماني الأبي هذه القصة وكل المؤشرات تشير إلى أن هتلر تواطأ مع الصهاينة في إقامة إسرائيل ودعمها واخترعوا فكرة التعويضات ولم يمحص أحد في ذلك الوقت أن التعويضات ستار لتغطية الجريمة.
وهناك مؤشرات كثيرة بخلاف الحقيقة الواضحة وهي أن الحكومة الألمانية إذا أرادت أن تقدم تعويضاً لرعاياها فهي مسألة داخلية لا تقدمها إلى حكومة أجنبية.
وفي قضية التعويضات أظهرت فضيحة الرشوة حتى لا تكشف إسرائيل قصة المؤامرة وإلا فإن إسرائيل التي نشأت بعد تعذيب الصهاينة الألمان من جانب هتلر لا صفة لها في تلقي التعويضات ومعناها أن ألمانيا لم تنتبه إلى أن تقديم التعويضات للمواطنين الألمان لحكومة ألمانيا معناه أن إسرائيل تمثل كل يهود العالم وهذا جزء من المشروع الصهيوني بما في ذلك يهود ألمانيا الذين ارتكب هتلر في حقهم جريمة الهولوكوست.
وأكدت ألمانيا في تصريحات حديثة انتقادها لإيران من أهم أوجه النقد أن إيران حكومة إرهابية لأن لها أذرع مقاومة تهدد إسرائيل، ثم إن ألمانيا تؤيد استيلاء إسرائيل على أراضي دول عربية مجاورة لإنشاء إسرائيل كبرى.
إذا كانت ألمانيا تدعم إسرائيل خشية انفضاح أمرها في السابق فما هو تفسير استمرار دعمها لإسرائيل وانتقاد إيران لأنها تتصدى لظلم إسرائيل؟
وألمانيا خلافًا لبعض الدول الأوروبية التي رفضت الدعم العسكري لإسرائيل؛ فاضطر نشطاؤها إلى رفع دعوى أمام القضاء الألماني. وقالت المحكمة العليا الألمانية في حكم شهير حديث إن مشاركة ألمانيا لإسرائيل عن طريق مدها بالأسلحة يعتبر مشاركة في جريمة انتهاك القانون الدولي ولا يمكن أن تعتبر المعاهدة بين ألمانيا وإسرائيل من أعمال السيادة فأبطلتها المحكمة العليا وبذلك انتصر التيار القانوني داخل ألمانيا.
ولا شك أن انتقاد ألمانيا لإيران فيه شبهة مجاملة لأمريكا ودعم إسرائيل؛ فكيف تضحي الحكومة الألمانية بمصالحها الوطنية ولا تحاسب من جانب البرلمان؟
إن صورة ألمانيا أصبحت سلبية في العالم كله رغم أن الألمان ساهموا بشكل كبير في الحضارة الإنسانية. وكان هتلر يهدف إلى استعادة الكرامة الألمانية، لكنه تجاوز حدود الكرامة إلى الاعتداء على كرامة الآخرين.
ويضيق المقام عن إيراد كل أوجه المؤامرة بين ألمانيا وإسرائيل أبسطها أن اتفاقية الأمم المتحدة لمنع إبادة العرق عام 1948 تضمنت المعاقبة على جريمة الإبادة الجماعية وأرست الفصل فيها لمحكمة مدنية وهي محكمة العدل الدولية. وفى عام 2002 نشأت المحكمة الجنائية الدولية وتضمن ميثاق روما نفس ما تضمنته اتفاقية الأمم المتحدة لإبادة العرق البشرى. ومعلوم أن هذه الاتفاقية هي مضمون الأحكام التي صدرت من محكمة نورمبرج التي حاكمت القيادات العسكرية والسياسية الألمانية.
وكانت إسرائيل أول دولة تنضم لهذه الاتفاقية حتى قبل انضمامها للأمم المتحدة.
أنوي توجيه رسالة شاملة إنقاذا لسمعة ألمانيا والشعب الألماني العظيم وإلى رئيس برلمان ألمانيا وكبار أحزابها السياسية. وحبذا لو رفعت مكاتب المُحاماة العربية في ألمانيا دعوى أمام القضاء الألماني بهذا المعنى.
ثم إنه لا مصلحة لألمانيا في نقد إيران خاصة في الملف النووي، وواضح أن المصلحة لإسرائيل في الموقفين الألماني والأمريكي؛ فهما يحاربان إيران في معركة إسرائيل.
** أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا
