سقوط أخلاقي أمريكي جديد

 

 

 

ماجد المرهون

majidomarmajid@outlook.com

 

 

بينما تَتسابقُ الأممُ في عُلومها ومَعارفها وتقدمها الصناعي والتِقني وتستعرض ارتقاءها الثقافي والمعماري، ويهرع التاريخ لتدوين مُنجزات قادةِ العلوم والسلام وتخليد أسمائهم وتمجيد الرقي الحضاري والإنساني، تبرز لحظات فجائيةٍ فارِقةٍ تتجاوز حدود السياسة وتجُر الجميع معها إلى أتُون التناقضات وأقصى حدود الغرابة، وكما سجَّل التاريخ الحديث النزعات الفُصامية لبعض مخابيل السياسةِ قبل الحربين العالميتين وما بينهُما وبعدهما، وأطماع من يسمُّون أنفسهُم بالدول العظمى بفرض وصايتِهم على الشُعوب الحُرة واستغفال العالم بجبريات الانتداب واستعباد النَّاس بوضاعةِ قوانينهم الوضعية وسرِقة ثروات بُلدانهم بجور الاستعمار، فإنَّ التاريخ قد يرحم الضعيف لما غُلب بهِ على أمرهِ، ولكنَّه لن يرحم القوي لمُجرد أنه قوي، بل سيُسائلهُ عن الأمانة التي حملها حين نصَّب نفسهُ خازِنًا على القِيم الإنسانية وحاميًا لمبادئ العدالةِ والمُساواةِ والحريِّة.

نقفُ اليوم كما يقف كُل العالم النزيه أمام مشهدٍ مأساوي تخلَّت فيه الولايات المُتحدة الأمريكية عن رداءٍ أخلاقي آخر وهو ليس الأخير، وسقطت في هُوةٍ سحيقة من التناقُض وهو ليس الأول، عندما أعلنت بكُلِ فخرٍ عن اختطافِها لرئيس دولةٍ مُستقلة وعريقةٍ، وبهذا لم يعد هناك فارق بين التحضُّر والهمجية والتقدم والرجعية سوى خيطٍ رفيع قطعتهُ أصابع ناسِج الطمع وحائِك المصالح من طرفٍ واحد استبَد بقوتهِ، ليتَّخذ لنفسهِ توكيلًا شرعيًا مُطلقًا على سيادةِ جارته واستحقاقًا كاملًا في الاستحواذ بوضع اليد على ثروات ومُقدراتِ شعبها، فمن يُحاسب رئيس ثقافة الغرب المُتوحش وهو يظهر كالمُختال بوجههِ المشؤوم ويحدث العالم الصامت عن انتصاره بالحيلةِ والاحتيال دون أن يندى له جبين، ثم يصرخ رئيس وزراء حربهِ "بأننا عدنا" ويقصد سيادة القوة بينما يراها الجميع عودةً إلى سيادة السقوط الأخلاقي مُجددًا ولا يحركون ساكنًا؟!

إنَّ ما تحقق لإدارة دونالد ترامب قبل يومين باختِطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ليس مُجرد خطأ سياسي عابر، فقد سبقه مثله الكثير وعاصرنا بعض رؤساء الدول ممن آلوا إلى نفس المآل، بل هو انكسار قِيَمي يضرِب بأطنابه في عمق ترابُط المُجتمع الدولي مع تصرفات هذه التجميعة من الولايات المُسماة بالعظمى، والتي طالما صدَّعت الدنيا بِخطاباتها الكالحةِ عن حقوق الإنسان والأقليات وكرامة الفرد وحريات تقرير المصير، وهي تقمع بالذرائع كل حرية وتتخذ الأقليات وسيلةٍ فوضويةٍ للانفصال ولا تُقيم وزنًا للكرامةِ وتُقرر مصير من تشاء متى وكيفما تشاء.

كُل العالم يرى أمريكا وهي مُتلبِّسة بجريمةٍ مُمنهجةٍ وبتخطيطٍ مُسبق مع سبق الإصرار والترصد، في تحيُّزٍ أعمي لا يرى إلا من الزاويةٍ المادية المُعتمة بعين الغطرسةِ الواحدة، وهي تُثبت قطعًا بهذه السقطة أن الأخلاقيات لدى القوى الكُبرى ليست مبادئ ثابتة، وإنما أدواتٍ وظيفيةٍ قابلة للتعديل وتستحضِرها خدمةً لأهدافها، وقد تُجرمها في وقتٍ آخر حين تتعارض مع مصالحها وبذلك تتقدم خطوة تطوريِّة من مفهوم ازدواجيةِ المعايير إلى تعدديةِ المعايير، وبات جلاء هذه الحقيقة ماثِلًا يُزكم الأنوف؛ فدِماءُ جندي واحدٍ من جنودهم يُعد كارثةً كونية وهم من افتعل الصراع بينما آلاف الأرواح ممن سواهم يُعتبر ضرورة أمنية وليس سوى غبار بشري ستذروه الرياح، والاستيلاء على ثروات الدول الأخرى بالقوة التي فرضوها قسرًا مع المُسوغات المُراوغة والخفية ستُبقيهم في حالة الرفاهية لأطول فترةٍ مُمكنة، وما سيحدث نتيجة ذلك من ويلات مستقبلية يعيشها شعوب الدول المُنتهكةِ سيادتهم لعشرات السنين في جوعٍ وفقر فلا بأس به، وتلك اضرار جانبية من منظور المعايير المُتعددة.

حينَ تغدو المُواثيقِ رثَّة مُهلهلة فتُخرق، والقوانين حبرًا رخيصًا على اوراق باليِّة فتُكسر فإن صِفات الكبر والتعالي المدعوم بالقُوةِ الباغية تتجلَّى وهي تفرِض نفسها جبرًا ويدفع ثمنُها الشُرفاء والضعفاء، ولا يُمكن لكُل ذي لبٍ تجاهُل كيف أن الولايات المُتحدة الأمريكية داست على كل الاعراف الطبيعيةِ والتقاليد القويمة والقوانين الدوليِّة التي شاركت بنفسها في صياغتها وساهمت في تأسيس المُنظمات لتكون حصنًا حافظًا للحقوق، وحريٍ بها أن تكون القُدوة الأولى بتطبيقها والمثال الأسمى في التقيُّد بها، بيد أنها تجاهلتها وفضَّلت القوة المُفرطة كهراوةٍ بيدها تُشهرها في وجه المُعارض وتتعسف باستخدامها ضد المُقاوم، ودرعًا يحميها وحلفائها من المُسائلة.

إنَّ الأخلاق لا تتجزأ، والعدالةِ التي تُمارس بانتقائية تُعتبر في جوهرها أعلى درجات الظُلم، وما شهِدناه يوم السبت الماضي خرق صارخ تجاوز كُل الخطوط التي وضعتها الإنسانية والعقلانية بعد الكثير من الحروبِ الدامية والصِراعات القاسية، ويُمثل تبرير استهداف رؤساء الدول ردة حضارية تُعيد العالم إلى عصور ما قبل القانون حيث لا مكانَ للضعيف والبقاء للأقوى والويلُ للمَغلوب.

وراءَ هذه السقطة الأمريكية الجديدة يكمُن داء العظمة وهو مشخصٌ في الاعتقاد بأنها دولةٌ فوق القانون وخارج المُحاسبة، وباتت تنظُر باستعلائها إلى مُعاناة الشعوب كأحداثٍ هامشية لا تمُس جوهر الإنسانية حتى لا تؤثر على الأقنِعة الديموقراطية فوق الوجوه الليبرالية عندما تدعي العدالة وتروِّج لفرض النظام، وجاء ذلك وضِحًا جدًا في حديث وزيرة العدل الأمريكية "بام بوندي" حيث قالت حرفيًا: إن المُتهمين سيواجهون قريبًا غضب العدالة الأمريكية الكامل وعلى الأراضي الأمريكية وفي المحاكم الأمريكية. انتهى كلامُها ولم انتهِ من وضع الخطوط تحت عبارة "غضب العدالة".

يبدو أن الانفصامَ الذي ابتُليت به السياسة الأمريكية سيُعجِّل بفُقدانها للقوةِ الناعمة، إذ لم تعد مُلهمةً للأجيال مع سطوع رمزياتها في النِفاق المُنظم، وخطر هذه السقطة يتجاوز الضَرر المُباشر الذي يلحق بالعالم إلى المسار التهديدي على منظُومة الأخلاق والقِيم الدولية، وستبدأ بفقدِ الثِقة ولن يُصدق الناس تحت التهديد بُشريات الحرية الكاذِبة وسوف يبحثُونَ عن ملاذاتٍ آمنةٍ بعيدة عن مركزية الأخلاقية المُنهارة لأنها وببساطة لا تتحلّى بالصبر، فتخرِق القانون دون رادع وتعمد لاستخدام القوةِ كبديلٍ مرعب عوضًا عن التفاهم والتفاوض.

لا يزال التاريخُ يُحدثنا أن المَمالك والإمبراطوريات تبدأ بالسقوط من الداخِل عندما تفقِد المُبرر الأخلاقي لوجُودها ولا تسقُط دائمًا بسببِ الهزائم العسكرية، ولا يُمكن للثراء أو المال أن يغسِل عار الظُلم والكِبر والتواطؤ، فإذا فقدت الأخلاق فإنها فقدت الروح التي تُحرك بها جسدِ حضارتها ولن يبقى مِنها سوى هيكلٍ وحشي من القوةِ الغاشمة ولن يطول بقاؤه.

الأكثر قراءة

z