سالم بن نجيم البادي
تقاعد، وكان سعيدًا كمن خرج للتو منتصرًا من معركة حامية الوطيس امتدت نحو ثلاثين سنة ونيف، وقد تنفّس الصعداء وخامره شعور باذخ بالانعتاق والحرية، وكأن حملًا ثقيلًا قد انزاح عن كاهله. وكان يُمنّي نفسه بالخلود إلى الراحة والطمأنينة والسكينة، وصاح قائلًا: وأخيرًا سوف أتحرر من قيود الوظيفة، ومن الروتين البغيض الذي صاحبني كل هذا الزمن، والبصمة، ومنظومة إجادة، والجودة، واللوائح، والقوانين، والصخب، وضجيج الناس الهادر، وتلك الوجوه المكررة كل صباح، والأشياء الثابتة، والأماكن المعتادة، والجدران ذاتها.
وكان عمله يتطلب التعامل اليومي مع مئات البشر من مختلف الأعمار والثقافات والتوجهات الفكرية.
مرّت الأيام الأولى عليه في بهجة غامرة، فأقاموا له احتفالات في مقر عمله، وفي الولاية التي ينتمي إليها، كما أقامت له عائلته حفلة في البيت، وأخرى في المقهى الذي يحب التردد عليه والجلوس فيه، وفي سفرهم الأخير احتفلوا بمناسبة تقاعده احتفالًا أنيقًا. وانهالت عليه التهاني والهدايا ورسائل الوداع والإشادة بشخصه، وذكر مناقبه وما قدمه خلال مسيرته الوظيفية، وكان كالعريس في ليلة عرسه، أو كالطفل الذي أقاموا له عيد ميلاد.
وكان ينام ملء عينيه، وينطلق في مشاوير ورحلات وسفرات بعيدة وقريبة داخل الوطن وخارجه، محتفلًا بحريته.
غير أن دوام الحال من المحال، كما يقال.
وكانت الصدمة الأولى عندما قبض معاش التقاعد الأول، وقد خُصم من الراتب الذي كان يتقاضاه وهو على رأس عمله أكثر من 600 ريال.
وكان قد سمع أحاديث كثيرة عن المعاش التقاعدي وكيفية احتسابه، وأنه سوف يكون مجزيًا وكافيًا لضمان حياة كريمة للمتقاعد، لكن ظنه خاب، وكان يأمل أن يعرف كيف تم احتساب المعاش التقاعدي، وأين ذهب المبلغ المقطوع من راتبه من أجل التقاعد خلال ثلاثين سنة.
وكانت خيبة الأمل أكبر حين استلم مكافأة نهاية الخدمة، وكانت زهيدة هي الأخرى.
وظلت خيبات الأمل تتوالى، فقد اعتقد أن شهر يناير، وهو موعد نزول العلاوة السنوية، سوف يأتيه بالبشرى، وكان ينتظر علاوة ولو صغيرة تجبر كسرًا في معاشه التقاعدي، قدرها 3 ريالات. وقد قيل إن الراتب التقاعدي لن يكون ثابتًا، فقد يزيد عند وجود الوفرة المالية للدولة، وعند غلاء المعيشة، لكن المعاش ظل راكدًا، والغلاء في تصاعد مستمر.
وقد بدأ يقاوم اليأس الذي يتسرب إلى روحه، وهو الذي يعول عائلة كثيرة العدد، ولديه أبناء كبار يبحثون عن عمل، وبعضهم يدرسون في مؤسسات التعليم العالي على نفقتهم الخاصة، ومتطلبات الحياة تزداد تعقيدًا وصعوبة.
مرَّت سنة على التقاعد، ولا جديد غير الإهمال والنسيان والتجاهل، فلا مميزات ولا حوافز كان يرجو أن تُمنح للمتقاعدين.
وأخذ يخاطب الجهات المختلفة وكأنه في حالة هذيان دائمة: أنا خريج ثلاث جامعات مرموقة، ولدي خبرة تزيد على 30 سنة، وحضرت خلال فترة عملي دورات ومشاغل وورشًا ومحاضرات لا تكاد تُحصى. أريد عملًا، وما تزال لدي بقية من قوة وطموح لا يهدأ.
