حمد الحضرمي **
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي عابر؛ بل تحول إلى ساحة اختبار لإرادة القوى الكبرى، ومؤشر خطير على شكل النظام الدولي القادم؛ فالمعركة الدائرة اليوم بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل صراع مركّب تتداخل فيه الجغرافيا بالطاقة، والسياسة بالاقتصاد، والسيادة بالقانون الدولي.
المضيق… قلب العالم النابض بالطاقة، ويمثل شريانًا حيويًا يمر عبره ما يقارب ثلث إمدادات النفط العالمية، ما يجعله نقطة اختناق استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها. أي اضطراب فيه لا ينعكس على دول الخليج فقط، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية، وأسعار الطاقة، واستقرار الاقتصاد الدولي برمّته.
وترى إيران أن السيطرة على المضيق في الحرب القائمة ضدها، يُعد تكتيكًا، وورقة ضغط في خضم التصعيد، واتباع سياسة فرض الأمر الواقع، مُستفيدةً من موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية البحرية. إن إحكام قبضة إيران على المضيق- ولو جزئيًا- لم يكن هدفه الإغلاق التام بقدر ما هو توجيه رسالة سياسية: "الأمن مقابل الأمن". ومن خلال السماح بمرور سفن دول صديقة، ومنع أو تقييد أخرى، تحاول إيران إعادة صياغة قواعد الملاحة، وتحويل المضيق من ممر دولي مفتوح إلى ورقة ضغط تفاوضية.
وفي المقابل ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن أي محاولة للسيطرة على المضيق تمثل تهديدًا مباشرًا لمبدأ "حرية الملاحة" الذي تقوم عليه التجارة العالمية. لذلك، فإن تدخلها ليس فقط دفاعًا عن حلفائها؛ بل حماية لنفوذها الاستراتيجي في المنطقة. لكن المعضلة التي تواجهها واشنطن تكمن في أن أي تصعيد عسكري واسع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويشعل المنطقة بأكملها، وهو ما لا ترغب به في ظل حسابات دولية أكثر تعقيدًا.
أما دول الخليج فهي في قلب هذه المعادلة الصعبة؛ إذ إنها الأكثر تأثرًا بأي اضطراب في المضيق، نظرًا لاعتمادها الكبير عليه في تصدير النفط والغاز. والضغط الاقتصادي الناتج عن تقييد الملاحة لا يهدد الإيرادات فقط، بل يضع دول الخليج أمام تحديات استراتيجية لإيجاد بدائل، سواء عبر خطوط أنابيب أو ممرات بديلة، وهي حلول مكلفة ومحدودة الفاعلية مقارنة بأهمية المضيق.
فهل يمكن أن تفرض إيران رسومًا على العبور؟ فكرة تحويل المضيق إلى ما يشبه "قناة مدفوعة" على غرار قنوات عالمية أخرى تظل محل جدل قانوني وسياسي. والمضائق الدولية تخضع لقواعد قانونية تختلف عن القنوات الصناعية، ما يجعل فرض رسوم أحادية الجانب أمرًا صعب التطبيق دون اعتراف دولي. لكن في ظل توازنات القوة، قد تحاول إيران فرض "رسوم غير مباشرة" عبر التحكم في المرور، أو اشتراط التنسيق الأمني، وهو ما يعيد تعريف مفهوم السيادة البحرية.
ونظرًا للموقع الجغرافي الفريد لسلطنة عُمان في هذه المعادلة، كونها تشارك إيران الإشراف على المضيق، فهي تؤدي مهمة التوازن والوساطة بين الأطراف المتنازعة، وفي الوقت ذاته تحافظ على سياسة متوازنة وعلاقات مستقرة مع مختلف الأطراف. إن هذا الموقع الاستثنائي يؤهلها للعب دور محوري، ليس فقط كطرف جغرافي؛ بل كوسيط سياسي قادر على تخفيف التوتر، وطرح حلول تضمن بقاء المضيق ممرًا آمنًا بعيدًا عن عسكرة الصراع.
من يربح حرب المضيق؟ إيران أم أمريكا؟
إيران قد تنجح تكتيكيًا في فرض نفوذ مؤقت على المضيق. والولايات المتحدة الأمريكية تملك القدرة الاستراتيجية على كسر أي حصار طويل الأمد. لكن الحقيقة الأعمق: لا أحد يربح في صراع يُهدد شريان الطاقة العالمي.
إنَّ السيناريو الأقرب للواقعية الذي ستنتهي حرب المضيق عليه، ليس الحسم العسكري؛ بل الوصول إلى توازن قلق، تُدار فيه الأزمة عبر تفاهمات غير مُعلنة، تضمن: استمرار تدفق الطاقة، عدم التصعيد العسكري المباشر، مع بقاء المضيق تحت رقابة دولية غير رسمية.
إنَّ حرب المضيق ليست معركة للسيطرة على المياه؛ بل اختبار لإرادة النفوذ في العالم. ومن يظن أنه قادر على احتكار هذا الشريان الحيوي، قد يكتشف أن العالم بأسره سيقف ضده، لأن مضيق هرمز ليس ملكًا لدولة؛ بل هو رئة الاقتصاد العالمي. ومن يظن أنه قادر على تطويع هذا الممر بالقوة، سيكتشف متأخرًا أنه أشعل نارًا لا تُطفأ، وأن الخسارة حين تبدأ، لا تقف عند حدود أحد؛ بل تبتلع الجميع بلا استثناء.
** محامٍ
