العدوان على حق الحياة

 

 

 

د. إسماعيل بن صالح الأغبري

تعارفت المجتمعات- منذ أن وُجدَت البشرية- على قوانين وتشريعات غير مكتوبة، تتمثل في مجموعة من الأعراف والعادات والتقاليد التي تضع قيودًا وضوابط للمتقاتلين، والتي يجب عليهم عدم التعدي عليها. ورغم أن عددًا من المجتمعات لم تكن لها دول وإنما كانت مجموعة قبائل متناثرة، تتصارع على الكلأ والماء، إلّا أنها تحترم الحقوق، ومن ذلك منع القتل لمجرد القتل، وتحريم العدوان على الطفولة في مهدها، والنسوة والكهولة.

كما إن تلك المجتمعات التي تنظر إليها الحضارة الغربية نظرة متعالية واعتبارها متخلفة رجعية، كانت تزدري من ينتهك تلك التشريعات المتمثلة في الأعراف والعادات والتقاليد، وتنظر إلى من يقتل المرأة والطفل نظرة دونية. ثمَّ وقعت الحربان العالميتان الأولى والثانية؛ فاستخدمت تلك الأطراف أسوأ ما يمكن استخدامه من آلات الحرب التدميرية، وأتت على كل ثابت ومتحرك قصًا وهدمًا، وعمدت إلى إحراق الأرض وما عليها من وسائل الحياة، وهو ما يسمى بـ"سياسة الأرض المحروقة" في القوانين التي تواطأ عليها العالم، خاصةً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي تُسمى في الشريعة الإسلامية بسياسة "إهلاك الحرث والنسل".

وما أن ترآى للأمريكيين المقاومة الشرسة لليابان، ورفضها للاستسلام حتى استخدم الأمريكيون أسوأ ما أفرزته صناعاتهم الحربية وهي الأسلحة النووية، فكان التدمير النووي الأمريكي في هيروشيما وناجازاكي. ومن سخرية الأزمنة سعي أمريكا لمنع التسلُّح النووي، وتخوُّفها من امتلاك إيران لذلك السلاح، وهي تتناسى أنها الدولة الوحيدة التي استخدمته في اليابان، فكيف تنهى عن الشيء، وهي ذاتها تفعله أي كأنها تعتقد أن ما تصبه من قنابل نووية وأسلحة محرمة هو الورد والياسمين والنرجس والرياحين، وما يستخدمه غيرها من أسلحة خفيفة أو متوسطة للدفاع عن النفس هو بمثابة الإبادة للبشرية!

لقد أحرقت الولايات المتحدة الأمريكية تلك الأرض، وأضرت بالبيئة والإنسان لعقود إن لم يكن لقرون من الزمن، ولعل إسرائيل المُقرَّبة من أمريكا استخدمت ما يقرب منها من أسلحة محرمة دوليًا في حروبها في فلسطين ولبنان.

الأمم المتحدة ومنظماتها الحقوقية والقانونية والصحية التي تواطأ العالم على التحاكم إليها، والحكم بموادها القانونية وتشريعاتها، ودول الغرب نفسه، كان يجعلها ميزانًا لتقييم الدول خلال السلم والحرب، ويفرض عقوبات سياسية واقتصادية على من ينتهك تلك التشريعات؛ بل وتصدرت أمريكا فرض العقوبات الخانقة على عدد من الدول مثل كوريا الشمالية وكوبا ودول في أمريكا اللاتينية؛ بدعوى تعديها على المواثيق الدولية من انتهاك لحقوق الإنسان والطفل والمرأة إلا إسرائيل فإنها مستثناة من التشريعات والقوانين الدولية خاصة أيام حرب الإبادة التي شنتها على غزة.

لعل أشد العقوبات السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية التي فُرضت غربيًا وأمريكيًا على إيران كانت مبرراتها منع التسلح النووي وضرورة احترام حقوق الإنسان، والسماح للشعب بحرية التعبير!

هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بما وصفه بـ"الجحيم"، إذا تعرض للمتظاهرين بمَّا أسماه "القمع" ضدهم، ووعد المتظاهرين بالوقوف معهم، والتدخل لصالحهم إن أُعدم متظاهر أو تم التضييق على المتظاهرين، بل وعدهم الرئيس بأنه سيتدخل لصالحهم، وقال إن الشعب الإيراني جدير بحياة كريمة غير الحياة التي يعيشونها الآن!

وشنَّت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في 28 فبراير 2026 حربًا على إيران على أمل انتهائها خلال 4 أيام! إلّا أن إيران لم تستسلم حتى بلغت الحرب الآن أسبوعها السادس. المؤشرات تقول إنَّ إيران لن تستسلم، ونتيجة لتلك المؤشرات نسي أعداء إيران الجوانب الإنسانية والحقوقية، فهددوا بأن مصيرها سيكون شبيها بمصير هيروشيما وناجازاكي، من حيث القوة التدميرية بغض النظر عن حياة الجحيم التي سوف يعيشها الناس.

تدميرٌ مُمنهجٌ للطرق والجسور التي يعبُر منها ملايين البشر الذين قال الرئيس الأمريكي إنه يريد حمايتهم من النظام الحاكم! وشروع في تدمير المؤسسات العلمية من كليات وجامعات ومراكز بحوث، تضم عشرات الآلاف من المواطنين، الذي زعم محاربوهم أنهم يريدون إنقاذهم! وهدد الرئيس الأمريكي بقصف مصادر الكهرباء والماء والغذاء والكساء والنفط والغاز! علمًا بأن هذه مقدرات الشعب وقوام الشعب وركائز الشعب! الذي زعم قبل بداية الحرب أنه قلق عليه وعلى حياته خلال المظاهرات!

الأصل أن هذه المقدرات لا يجوز تعمُّد الاعتداء عليها، وإذا ما تم ضربها فإنَّ لجانًا دولية يتم تشكيلها للتحقيق في مدى تعمد قصفها، فإنْ ثبت أن القصف كان عن عمد اعتُبِر من قام بذلك مرتكبًا لجرائم الحرب، بينما في هذه الحرب يُكرِّر الرئيس الأمريكي وعلانية وفي بياناته ومؤتمراته الصحفية أنه سيعمد إلى تدمير تلك المؤسسات، وسيعيد إيران إلى عصرها الحجري! وعلى هذا فما كان يقوله من قبل من أن الشعب الإيراني يستحق حياة أفضل ما كان ذلك إلا من باب المخادعة، ومحاولة إثارة الشعب ضد حكومته!

واضحٌ أن التشريعات والقوانين التي تواطأ العالم عليها بعد مجازر الحربين العالميتين الأولى والثانية يتم الإطاحة بها من واضعيها، وأن آخر ما يلجأ إليه الكبار أو يتحاكمون إليه هو القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، والغرب أكثره وقف صفًا واحدًا مع إسرائيل في حرب الإبادة في غزة ضد الفلسطينيين، وزوَّد إسرائيل بأسلحة الإبادة، ورفض إدانة إسرائيل، بينما كانت أمريكا وأكثر الدول الغربية تدين المعتدى عليه وهم أهل فلسطين، وتصف المقاومة في فلسطين ولبنان بالإرهاب!

ثم نرى هذه القوى وهذا العالم الموسوم بالحُر لا يدين صراحة ما تتعرض له إيران من عدوان همجي يستهدف مقدرات الشعب الإيراني من مطارات وموانئ وجسور وجامعات ومراكز بحثية وتعليمية ومستشفيات ومدارس للناشئة.

إنَّ هذه القوى الكبرى ترسل رسائل سلبية مفادها أن القانون الدولي لا يتحاكم إليه إلا من عجز عن البطش والقتل، ولا يحكم به إلا الدول الضعيفة الخالية من القوة الذاتية أو الخالية من القوة الحامية كحماية الغرب لإسرائيل.

وقيام هذه الدول بالاعتداء على كل من يرفض الهيمنة والسير في ركابها ينذر بنهاية مؤسسات عالمية، وانتهاء التحاكم إلى تشريعات أممية ما يعني ضرورة البحث عن آليات أخرى تجنب العالم هذه الازدواجية

بقي على مهلة الرئيس الأمريكي ترامب لإيران بضرورة "الاستسلام" لما يُريد، أقل من يوم ونصف وإلا حول إيران حسب زعمه إلى العصر الحجري! ولعله قد بدأ بقصف كل ثابت ومتحرك في إيران قبل انتهاء المهلة، متحالفًا مع إسرائيل في تنفيذ جملة من بنك الأهداف المدنية! ولعل الغرب وأمريكا في نهاية العام تستعد مؤسساتهم لإصدار التقارير السنوية عن الدول في العالم الإسلامي التي تنتهك الحريات والقانون الدولي، وتضطهد شعبها، ولا تمنح المرأة حقوقها؟ فيا ترى من يصدق الغرب ومساعيه، ومن يصدق نواياه وأفعاله شاهدة على جرائمه في فلسطين ولبنان وإيران واليمن والعراق وأفغانستان وكوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا وأمريكا اللاتينية؟!

والسؤال: من بقي في العالم الإسلامي مخدوعًا بشعارات الغرب ويسعى إلى تطبيقها في دول العالم الإسلامي؟! وهل لا يزال يرى أن القمع والديكتاتورية لا يعرفها إلا أنظمة الحكم في العالم الإسلامي؟ وهل لا زالت كثير من النساء تتعلق بالغرب وأمريكا بدعوى أنهم أم الحريات وحقوق المرأة، والمرأة في العالم الإسلامي ترى بأم العين كيف تسحق الطفولة في مهدها على يد قوى غربية وعلى يد ربيبة الغرب إسرائيل! وكيف تقتل المرأة من خلال قصفها أو قصف ما تحتاج إليه من دور الرعاية النفسية والطبية، وكيف يتم تدمير المشافي والأماكن العامة من حدائق ومنتزهات في فلسطين ولبنان وإيران؟

إنَّ ما يقع على إيران من انتهاك صارخ للقانون الدولي أنموذج مصغر لما تمارسه القوى المُتشدِّقة بحقوق المرأة والطفل والإنسان، وما خفي كان أعظم.

الأكثر قراءة

z