د. إسماعيل بن صالح الأغبري
مساء يوم الثلاثاء 19 مايو 2026، ودَّع القلم وفارق الساحة الثقافية وغاب عن المشهد الفكري غيابًا حسيًا وتوارت عن الأنظار، تلك الشخصية الوادعة الهادئة في حواراتها المُتَّسِمة بهدوئها، المُبَرِّزة لحججها وبراهينها، سواء اتفقنا أو اختلفنا بشأنها.. إنها شخصية ذلك المفكر المبدع والمحاور المُتمكِّن والقارئ النَهِم في ميادين الشريعة الإسلامية وهي مورده، عليها نشأ وترعرع، ومنها اغترف وفيها أبحر، ليس متسورًا محرابها، ولا حديث عهد بها.
وزاد من معارفه اغترافه من مناهل شتى من الثقافة ومنابع الفكر والسياسة والحياة الاجتماعية حتى كأنَّ العدوي أيقونة بذاته.
لم يكن العدوي ابن ولاية بهلاء، ولا ركن مركز الندوة ذائع الصيت في نشر وحفظ الثقافة والفكر وفنون العلم فقط، بل العدوي الابن البار بالعلم والثقافة والأدب، وهو وإن كان ابن الستين من العمر إلا أنَّه كأنه ابن المئة أو أكثر خبرة وأدباً ورقي تعامل وحسن مُعاملة.
تفقد الثقافة العُمانية هذا الركن منها، وهو الذي كتب في ميدان السياسة وحلل رسائل ذات أبعاد سياسية في التراث والثقافة ومنها تعليقاته وتحليلاته ورؤيته عن رسالة العلامة العُماني سالم بن ذكوان الهلالي في ميدان السياسة الشرعية، وخاض فيها من خلال كتابه عن السياسة والدين.
خميس العدوي لم تلهه المدنية والحضارة عن الأعراف والعادات والتقاليد؛ بل ظل لصيقًا بها معززًا من شأنها، وربما تعليمه الأول وتعلمه القرآن الكريم والآداب والسلوك عن آبائه ومجتمعه أثر عليه حتى صاغ من درر تحليلاته كتاب السبلة العُمانية؛ وأراد بذلك تسليط الأضواء الكاشفة على دور السبلة العُمانية اجتماعياً من حيث ترابط المجتمع ونسيج اللحمة الاجتماعية، وآثارها الإيجابية في غرس الأخلاق، وتعميق الهوية بين أفراد المجتمع العُماني، فالسبلة مدرسة يغترف الناشئة منها احترام الآخر، وتقدير الصغير للكبير بإفساح صدر المجلس له، ومناولته ما يحتاج إليه، وعدم تقدمه في دخول السبلة أو الخروج منها إلى غير ذلك من القيم والمواريث الأخلاقية.
العدوي له مؤهلات كثيرة منها: رباطة جأشه، وهدوء نفسه خلال المحاورة معه، وقد حاورته يوما، فطال الحوار وكان الحوار حاميا، اختلفت معه واختلف معي، واتفقت معه في بعض الأمور، واختلفت معه في أخرى، وقد تجاوز الحوار ساعات فلم يغضب إلا يسيرًا إلا أنَّ الاحترام كان سيد الموقف، وهو مع ذلك المبتسم غير العبوس، لا انفلات لسان بما لا يجوز، وتلك لعمر الحق صفة المثقف الواثق، والمحاور الواقف على أرض صلبة سواء اتفقنا مع المنهج أو اختلفنا.
عرفت خميس العدوي في جامعة السلطان قابوس منذ عام 1987؛ إذ كنت وإياه من طلبة هذه الجامعة الناشئة آنذاك، دمث الأخلاق، مبتسم المحيا، مرح مع أصدقائه، وكانت غرفته مزارا، وهو كعادة أهل الداخلية من عُمان التمر والقهوة وقت العصر جامع لتجمع أصدقائه في غرفته حتى دنو غروب شمس ذلك اليوم، ثم انصراف لصلاة المغرب في جامع جامعة السلطان قابوس، وقد تكون مرة أخرى العودة معه إلى غرفته، الهميمي والتميمي والزهيمي وعارف العبري من الحمراء وغيرهم بعض من يتردد إليه.
فقيدنا لم يكن رقماً قد توارى؛ بل هو مفكر ومحلل ومحاور وكاتب فقدته أركان الثقافة والفكر في سلطنة عُمان، قام على مكتبة الغبيراء بولاية بهلاء عارضا لكتبها، وبائعا فيها مع حسن استقبال فطري، وليس من باب الابتسامة المتكلفة التي تأتي بدواعي الترويج والتسويق أو من باب الدبلوماسية أو المُجاملة، وليست هي من نوع المداراة.
لم يزل العدوي ينتقل من بستان إلى بستان من بساتين الثقافة والعلم فكانت مكتبة الندوة، كاسمها ندوات ومحاضرات وملتقيات واجتماعات، ضيوفها من خارج سلطنة عُمان ومن داخلها، مواضيعها في مختلف فنون العلم: في الإسلام والفكر الإسلامي، في التراث العُماني وما يعانيه وإيجابياته وكيفية تحقيقه وإخراجه والاهتمام به، واستضافت من خارج البلاد ومن الداخل ضيوفا من الوزن المعرفي الثقيل ومعه في تلك الندوة شخصيات عُمانية لا أرغب في ذكر أسمائها مخافة أن أنسى عددا منهم، وهم يعملون خلية واحدة، جمعهم فرد، وفردهم كالجمع.
لم أر العدوي ينسب شيئاً من النجاح إليه، بل ينسبه إلى زملائه، ويبرئ نفسه منه، وتلك صفة قلما تكون في نفوس الناس، إنه يعتبر زملاءه في مركز الندوة وغيرها هم الوقود المحرك لأعمالها، وهم الطاقة الإيجابية الدافعة للنجاح.
لقد تابعت لقاءه في "بودكاست" مع مازن الهدابي القدير والمحاور المتمكن على منصة مصعد، وكان العدوي يؤكد على أنه خميس، وهو أحب ما يُنادى به دون إضافات وحواشٍ ونكهات، وذلك ما ينبغي أن يكون عليه الواثق من نفسه من المفكرين والمثقفين، وكم من مثقف وحامل لقب يشتد غضبه إن لم يرد في الخطاب الموجه إليه أو في التعريف به لقب دكتور أو أستاذ دكتور أو المفكر الكبير إلا أن العدوي ليس من ذلك الصنف، ولا تستهويه الألقاب.
لقد تواصلت معه بعد لقاء منصة مصعد فكتبت له عبر "واتساب" رسالة مُطوَّلة فيها من الشكر له والتقدير، وبدأت الرسالة بخميس العدوي دون إضافة نكهات من الألقاب، وذكًّرته بأنه لم يتغير عن عهده، ولم يتبدل في سلوكه من التواضع، فالتكبر مُميت للعلم، وقاتل للمثقف وخميس من صنف الأحياء، وليس من صنف الأموات الذين يذوبون في الألقاب أو يتلونون أو كل يوم بجلد يعيشون، وجه واحد مع الجميع.
المثقف والمفكر العُماني خميس العدوي- وكما أخبرني- يحقق كتبًا، وكان المأمول أن تخرج بحلتها القشيبة في المعرض القادم، فعسى تبصر النور محققة من أصدقائه وأقرانه في مركز الندوة وفاء للصحبة- وهم لذلك أهل- كما أن أبناء خميس العدوي لن تفتر همتهم في تحقيق وإكمال ما بدأ به أصلهم وهو والدهم خميس بن راشد العدوي.
مشروع تراث بهلاء المادي وغير المادي شرع فيه وبدأ، ولن يكون غياب العدوي عائقًا، فقد عرفت أصدقاءه في مركز الندوة يدًا واحدة وإدارة مستديرة، وليست مركزية، محورها شخص واحد، بل الأمر شورى بينهم؛ لذلك فأقرانه مؤهلون لإكمال المسيرة.
العدوي يستحق ندوة تقام من أجله وما قام به في عالم الفكر والثقافة، كما يستحق الكتابة عنه.
خميس العدوي كان أخًا وصديقًا وجامعًا لكثير من الناس، وما تفاعل الناس في وسائل التواصل الاجتماعي أسفاً وحزناً على وفاته إلا من أدلة كتابة القبول له عند كثير من الناس من مختلف المشارب الفكرية، فأخلاقه ورقي تعامله، واحتماله لم يحاوره أو يناقشه حببه للناس، وحبب الناس فيه.
