صالح الغافري
العمل ليس مجرد مهمة يومية، بل هو رسالة ومسؤولية، قال الله تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم﴾، والموظف حين يبدأ وظيفته يكون مليئًا بالحماس والطموح، يرى في عمله بابًا للرزق وخدمة الوطن، ويستحضر قول النبي ﷺ إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه. لكن هذا الحماس قد يتراجع إذا بقي الموظف في نفس المهمة سنوات طويلة بلا تغيير أو تعديل، فيبدأ يشعر بالملل والضغط النفسي حتى يصل إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي، وهي أخطر ما يواجه الموظف والمؤسسة معًا لأنها تقتل الشغف وتضعف الإنتاجية وتفتح الباب للاستقالات.
الاحتراق الوظيفي لا يظهر فجأة، بل يتسلل بصمت، فيضعف العطاء ويؤثر على الصحة النفسية والسلوك داخل المؤسسة، فيصبح الموظف أقل صبرًا وأكثر عرضة للتوتر، وقد يفقد القدرة على الإبداع أو التعامل الإيجابي مع زملائه، مما ينعكس على بيئة العمل بأكملها. ولنا أن نتأمل مثالًا واقعيًا: موظف قضى سنوات طويلة في قسم خدمة المراجعين، كان في بداياته يستقبل الناس بابتسامة ويحل مشاكلهم بروح عالية، لكن مع مرور الوقت بدأ يشعر بضغط نفسي شديد حتى ظهرت عليه علامات الاحتراق الوظيفي، وحين لاحظ مديره ذلك قرر تدويره إلى قسم إداري داخلي، وهناك استعاد نشاطه وبدأ يبدع في مهام جديدة لم يكن يتخيل أنه قادر عليها، فهذا التغيير البسيط أنقذ الموظف من التراجع وحافظ على خبرته داخل المؤسسة.
وفي شركات القطاع الخاص كثيرًا ما يُطبق التدوير بين الأقسام، فينتقل الموظف من المبيعات إلى التسويق، فيكتسب خبرة جديدة ويشعر بالتجديد، وهذه الخطوة لا تحمي الموظف فقط من الاحتراق الوظيفي، بل تمنح المؤسسة موظفًا أكثر شمولية ومرونة.
ومع ذلك لا نعمم القول بأن جميع المؤسسات تطبق التدوير، فهناك مؤسسات ما زالت تعمل بالأسلوب التقليدي وتترك الموظف في موقعه سنوات طويلة حتى ينهك، وفي المقابل هناك نماذج ناجحة أثبتت أن التدوير يرفع من مستوى الأداء ويزيد من ولاء الموظف، ومع وجود نظام إجادة الذي يسهل متابعة مؤشرات الأداء تتضح أكثر أهمية التدوير كأداة عملية لرفع الكفاءة وضمان الاستدامة، وإلى جانب التدوير فإن التدريب المستمر على كل جديد ضرورة لا غنى عنها، ليواكب الموظف منظومة العمل والخطط المستقبلية ويصبح التدوير وسيلة للتطوير لا مجرد تغيير مواقع.
لكن التدوير والتدريب وحدهما لا يكفيان إذا غابت الحوافز والتشجيع، فالموظف يحتاج أن يشعر بأن جهده مقدَّر، وأن المؤسسة تراه وتثني عليه. الكلمة الطيبة أو المكافأة الرمزية قادرة على رفع الروح المعنوية، وتحويل الاحتراق الوظيفي إلى طاقة إيجابية، وتعزيز الولاء للمؤسسة، فالتقدير ولو كان بسيطًا يترك أثرًا عميقًا في نفس الموظف، ويجعله أكثر استعدادًا للعطاء والابتكار.
وحين تجتمع عناصر التدوير والتدريب والتحفيز مع وضوح الرؤية والرسالة للمؤسسة، يتحول العطاء إلى طاقة متجددة لا تعرف حدودًا، والموظف حين يدرك أن عمله جزء من رسالة واضحة، ويشعر أن جهده مقدَّر، ويُمنح فرصًا للتطوير والتجديد، يصبح أكثر التزامًا وإبداعًا، وعندها لا يكون العطاء مجرد أداء واجب وظيفي، بل يصبح مشاركة حقيقية في بناء مؤسسة قوية ومستدامة، مؤسسة تعرف كيف تستثمر في إنسانها قبل أن تستثمر في مواردها، وتضع أساسًا راسخًا لخدمة الوطن وتحقيق أهدافه.
