صالح بن ناصر الغافري
في زمن تتكسر فيه أوهام السيطرة، وتتعالى فيه أصوات المدافع على حساب صوت العقل، يظل العالم بحاجة إلى بوصلة تعيد التوازن وتفتح نافذة للحوار. ليست القضية مجرد صراع على النفوذ أو اختبار للقوة، بل هي لحظة فارقة تكشف هشاشة النظام الدولي أمام ضغط الجغرافيا وسلاح الطاقة. هنا تتجلى الحكمة السلطانية كمسار بديل كان يمكن أن يجنب المنطقة هذا التصعيد، ويمنح البشرية فرصة للعبور نحو أفق أكثر عدلًا وإنسانية.
العالم اليوم لا يواجه مجرد حرب أو مواجهة عسكرية، بل يعيش اهتزازًا عميقًا في أساس النظام الدولي. الصواريخ التي تملأ السماء، والطائرات التي تجوب الأجواء، ليست سوى ضجيج يخفي الحقيقة الأشد وقعًا. البنية التي قامت عليها فكرة السيطرة المطلقة بدأت تتصدع، والجغرافيا تحولت إلى سلاح يفرض على الجميع إعادة التفكير في قواعد اللعبة. مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل عقدة استراتيجية تكشف أن العالم كله رهينة نقطة واحدة على الخريطة. الأسواق ترتجف، وأسعار الطاقة تقفز، والاقتصاد العالمي يتنفس بصعوبة وكأنه يختنق من رئة واحدة.
الولايات المتحدة التي اعتادت أن تقدم نفسها كحامية النظام العالمي وجدت نفسها في تناقض قاتل؛ فهي تهدد وتتوعد، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن منافذ للنجاة. إدارة الأزمة تحولت إلى محاولة للبقاء، والضربات التي طالت منشآت الطاقة والطائرات المتقدمة لم تكن مجرد رسائل عسكرية، بل رسائل نفسية تهدف إلى إسقاط وهم السيطرة الكاملة. لم يعد هناك تفوق مطلق، وكل شيء قابل للاختراق، والثقة في النظام تنزف في صمت، فيما الشعوب تترقب بقلق انعكاسات هذه الأزمات على حياتها اليومية.
وعندنا في عُمان، المجالس ليست مجرد فضاء يجتمع فيه الناس، بل هي مدرسة للحكمة وتبادل الرأي. وهي التي جعلت المجتمع العُماني عبر تاريخه الطويل قادرًا على تجاوز الأزمات بالحوار لا بالصدام. هذه الروح هي التي تجعل عُمان قادرة على أن تكون صمام أمان حين يشتد الصراع وتتعقد الأزمات؛ فهي لا ترفع منسوب التوتر، بل تسعى إلى تهدئته، ولا تضيف إلى الضجيج، بل تفتح نافذة للحوار.
لقد كان العالم يترقب انفراجًا عبر الوساطة العُمانية، مسارًا تفاوضيًا لو تم الأخذ به لكان كفيلًا بتجنيب المنطقة هذا التصعيد والضربات الاستباقية التي طالت إيران. لكن تجاهل هذا المسار الحكيم جعل الأزمة تنفجر على نحو أكثر قسوة، وأثبت أن غياب العقلانية يفتح الباب أمام الفوضى بدل أن يغلقه.
الخليج مكشوف ومعتمد على التجارة والطاقة، وإيران تمتلك عمقًا جغرافيًا وقدرة على الاستنزاف، ما يجعل المعركة ليست معركة قوة، بل معركة من ينهار أولًا. لكن بين هذه المعادلات القاسية، يظل هناك من يختار أن يكون صمام أمان، لا طرفًا في الصراع، وأن يضع الحكمة في مواجهة الانهيار.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة بين جيوش أو صراع على النفوذ، بل اختبار لقدرة النظام العالمي على البقاء أمام ضغط الجغرافيا وسلاح الطاقة. وإذا كانت القوى الكبرى عاجزة عن حماية شريان الحياة الاقتصادي، فإن العالم يقف أمام لحظة الحقيقة التي لا تقبل التأجيل ولا تحتمل الهروب. وهنا يبرز الدور العُماني كصوت الحكمة السلطانية الذي يذكر بأن النجاة لا تأتي من القوة وحدها، بل من العقلانية التي تنمو في ثقافة الحوار وتتشكل في المجالس بروح جماعية لا بروح الهيمنة. قد تنهار اقتصادات وتضعف أنظمة، لكن الحكمة حين تستدعى تصبح هي السلاح الأصدق، وهي التي تمنح البشرية فرصة لعبور العاصفة نحو نظام أكثر عدلًا وإنسانية، نظام يليق بالهامات والقامات والنخب السياسية التي تبحث عن أفق جديد وسط هذا الاضطراب العاصف.
نسأل الله أن يكف البلاء عن دول الخليج، وأن يحفظ شعوبها من شرور الفتن والصراعات، وأن يفتح لها أبواب الحكمة والنجاة، لتظل هذه الأرض الطيبة منارة للأمان والاستقرار في زمن العواصف.
