الحرب لا يقودها طيار.. بل خوارزميات ومُسيَّرات

 

 

مؤيد الزعبي

 

في ظل التصعيد المتسارع الذي تشهده المنطقة، وتحديدًا مع تزايد تهديدات المسيرات التي باتت تستهدف دولنا الخليجية، لم يعد الحديث عن "حروب الدرونات" مجرد تنبؤات تقنية للمستقبل، بل أصبح واقعًا مريرًا يفرض نفسه على طاولة القرار الأمني؛ فما نتابعه اليوم من استهداف منشآت حيوية ونفطية عبر مسيرات عابرة للحدود يمثل تحولًا جذريًا في مفهوم "الردع الجوي"، فنحن اليوم نشهد نهاية الحقبة التي كان فيها التفوق الجوي محصورًا في امتلاك مقاتلات شبحية باهظة الثمن، لندخل عصر "الجو المتاح للجميع"، حيث يمكن لطائرة منخفضة التكلفة أن تخترق أحدث منظومات الدفاع الجوي وتصيب أهدافًا استراتيجية بدقة تكاد تكون دقة عملية جراحية.

علينا أن نفهم- عزيزي القارئ- بأن هذا التغيير في موازين القوى لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تطور تقني مذهل جعل من "المسيرات" سلاحًا متعدد الطبقات؛ وعلينا أن نعي تمامًا أننا لا نتحدث عن نوع أو نموذج واحد من المسيرات؛ بل عن ترسانة تبدأ من "المسيرات الانتحارية" أو (Loitering Munitions) مثل عائلة "شاهد" التي تعتمد على البساطة التقنية والكلفة الزهيدة لإغراق الدفاعات الجوية، وصولًا إلى طائرات MALE وهي المسيرات ذات الارتفاع المتوسط والمدى الطويل مثل "بيرقدار" التركية أو "وينغ لونغ" الصينية التي تؤدي مهام الاستطلاع والقصف بدقة عالية، وصولًا إلى طائرات (HALE) الاستراتيجية التي تحلق على ارتفاعات شاهقة وتعمل كأقمار صناعية حية، وإلى الآن لم نتحدث عن الخطورة القصوى فالخطورة الحقيقية تكمن في تمكين المسيرات بتقنيات الذكاء الاصطناعي المستقل؛ حيث يمكن للمسيرات القدرة على اتخاذ القرارات دون الحاجة لاتصال دائم بغرفة التحكم؛ بل تكون فيه قادرة على معالجة الصور وتحديد الأهداف وتفادي الرادارات بشكلٍ آلي، مما يجعل عمليات التشويش الإلكتروني التقليدية أقل فاعلية، وهذه التكنولوجيا بدأت في الاستخدام وتم تجريبها على أرض الواقع في عدة صراعات دولية.

اليوم بتنا نجد ما يعرف بأسراب النحل (Swarm Intelligence)؛ حيث يتم إطلاق عشرات المسيرات التي تتواصل فيما بينها لتوزيع المهام، فبعضها يعمل كمصيدة للرادارات وبعضها الآخر كمنصات تشويش، بينما تتولى البقية توجيه الضربة القاضية، وأجد أن هذا التطور يضع الكثير من الدول أمام تحدٍ تقني مزدوج: الأول هو بناء "دفاع جوي ذكي" يعتمد على الليزر والنبضات الكهرومغناطيسية بدلًا من الصواريخ الاعتراضية المكلفة، والثاني هو امتلاك "قوة هجومية مسيرة" قادرة على الردع؛ فالحرب القادمة في السماء لن تُدار بضغطة زر من طيار في قمرة قيادة، بل بسطور برمجية تُكتب في مراكز الأبحاث التقنية، مما يجعلنا ندرك أهمية الاستعداد لحروب المستقبل فالأمر ليس مجرد خيارٍ دفاعي، بل هو حجر الزاوية للحفاظ على السيادة الوطنية في عصر الفضاء السيبراني الجوي.

عزيز القارئ إن ما نشهده اليوم يثبت أن موازين القوى لم تعد تُقاس بعدد الطائرات في المطارات العسكرية، بل بمدى القدرة على حماية الأجواء من "الأشباح الرقمية" التي تطير بصمت، وقوة الردع تكمن في قدرة مهندسينا على ابتكار حلول تقنية تسبق تهديدات الخصم بخطوة، فالدرونات اليوم هي سلاح الرخيص القوي، وهي الأداة التي ستعيد صياغة الجغرافيا السياسية للعالم، والرد الحاسم لا يكمن في إطلاق صواريخ مليونية لاعتراض مسيرات زهيدة الثمن فهذا المنطق ليس مستدامًا وباهظ الثمن، بل في بناء "منظومة دفاعية ذكية" متعددة الطبقات تعتمد على التكنولوجيا بمواصفات مستقبلية.

ومن بين الحلول الأكثر استشرافًا للمستقبل تبدأ من أسلحة الطاقة الموجهة Directed Energy Weapons وتحديدًا الليزر والنبضات الكهرومغناطيسية عالية القدرة وهذه التقنية تمثل الثورة القادمة في الدفاع الجوي؛ فهي توفر تكلفة طلقة تكاد لا تُذكر مقارنة بصواريخ "الباتريوت"، وتستطيع التعامل مع "أسراب الدرونات" بسرعة الضوء، والاستثمار في هذه التكنولوجيا هو السبيل الوحيد لكسر معادلة "الاستنزاف الاقتصادي" التي تحاول بعض الأطراف الإقليمية فرضها علينا عبر إرسال مسيرات رخيصة لاستنزاف مخزوناتنا الدفاعية باهظة الثمن.

وأيضًا يجب أن لا نتغافل عن دور الحرب الإلكترونية المتقدمة وهنا لا أعني التشويش التقليدي فقط؛ بل لما هو أبعد من ذلك كالاختراق والسيطرة Spoofing والمستقبل يكمن في تطوير أنظمة قادرة على فك شفرات التحكم في المسيرات المعادية وإعادة توجيهها أو إسقاطها دون إطلاق رصاصة واحدة، والذكاء الاصطناعي سيكون سبيلنا لإيجاد حوائط صد برمجية قادرة على تمييز بصمة المسيرات عن الطيور أو الأجسام المدنية في أجزاء من الثانية، وهو ما يقلص هامش الخطأ البشري في اتخاذ القرار، وتوجيه الضربة للهدف المحدد بدقة وسرعة.

أيضًا لا يمكننا إغفال استراتيجية الدرون مقابل الدرون؛ حيث يتم تطوير مسيرات دفاعية سريعة ومصغرة تعمل كصياد للمسيرات المعادية، وبرأيي فإن فكرة إطلاق أسراب دفاعية قادرة على الانقضاض على الأهداف المتسللة هي الحل الأمثل لحماية المنشآت الحيوية خاصة وأنها توفر مرونة عالية في التحرك والتغطية الواسعة.

في الختام، علينا أن نعي أن حروب السماء لم تعد مثل السابق صواريخ مقابل طائرات؛ بل باتت المعادلة مغايرة اليوم ولذلك علينا معالجة هذه التهديدات من المختبرات التقنية والتصنيعية قبل الميادين الحربية، فالحرب اليوم هي حرب "عقول وشفرات"، ومن يمتلك السيادة الرقمية يمتلك السيادة على الأرض والجو، وهو المسار الذي يجب أن نسلكه بكل قوة لضمان استقرار اقتصادنا ومجتمعنا في وجه "أشباح الجو" القادمة من وراء الحدود.

الأكثر قراءة

z