سُلطان بن خلفان اليحيائي
في زمن العواصف السياسية، تظهر الدول التي تعرف قرارها.
السيادة لا تُصنع في كتب السياسة، بل تُعرَف في لحظات الخطر. وعُمان من الدول التي تعلّمت هذا الدرس مبكرًا؛ فهذه البلاد لم تتشكّل شخصيتها السياسية في قاعات المؤتمرات، بل في ميادين التحديات، حيث تعلّمت عبر تاريخها الطويل كيف تدافع عن أرضها وكيف تحافظ على قرارها.
والدول التي يتشكّل وعيها في لحظات الخطر تعرف جيدًا كيف تتخذ موقفها حين تشتد العواصف.
ففي زمن تتشابك فيه مصالح القوى الكبرى، وتُعاد فيه صياغة مواقف دول كثيرة تحت ضغط النفوذ والاصطفافات، تقف عُمان لتقول كلمتها بهدوء الواثق: السيادة لا تُستعار؛ فالدول التي تعرف قيمة تاريخها لا تضع قرارها في جيب أحد، ولا تغيّر مواقفها كلما تغيّرت اتجاهات الرياح.
وهذه هي اللغة التي اعتدنا نحن العمانيون سماعها من دولتنا؛ لغة الهدوء الواثق الذي لا يرفع صوته.. لكنه لا يتنازل عن قراره.
من هنا جاءت تهنئةُ حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- وفّقه الله- للجمهورية الإسلامية الإيرانية بتولّي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى. لم تكن مجاملة دبلوماسية عابرة كما قد يظن البعض، بل رسالة هادئة تؤكد أن عُمان تتعامل مع الدول وفق قواعد السيادة والاعتراف المتبادل، لا وفق خرائط النفوذ التي ترسمها العواصم الكبرى.
هذه هي السياسة العُمانية التي لم تولد اليوم، بل تشكّلت عبر تاريخ طويل؛ دولة ضاربة الجذور في عمق القرون عرفت كيف تحافظ على استقلال قرارها حتى في أكثر اللحظات اضطرابًا.
لم يطل الوقت حتى جاء الموقف الأكثر وضوحًا على لسان وزير الخارجية العُماني حين عبّر صراحةً: إن عُمان لن تطبّع علاقاتها مع إسرائيل، ولن تنضم إلى ما يسمى “مجلس السلام” موضحًا أن الحرب الجارية غير قانونية ولا تستند إلى شرعية دولية، وأن هدفها إضعاف إيران وإعادة تشكيل المنطقة بما يمنع قيام دولة فلسطينية.
وبالتالي فإن هذه الحرب التي شُنّت على إيران لا تخدم السلام العالمي، بل تضعف مسارات الحوار وتخالف روح القانون الدولي.
لم تكن تلك الكلمات مجرد تعليق خاطف في نشرات الأخبار، بل كانت إعلان موقف واضح: أن عُمان لن تكون جزءًا من الحروب التي تُدار خارج القانون الدولي، ولن تشارك في ترتيبات تُصاغ لتبريرها، مهما كان اسم المجلس أو عنوان المبادرة.
من التاريخ نتعلم، ومن الماضي نستمد حكمة المواقف؛ فحين وصل المدّ الشيوعي إلى الحدّ الجنوبي لعُمان محاولًا اجتياح أرض البطولات ظفار الأبيّة، وقف البواسل وشرفاء الجنوب العُماني مع القائد الراحل السلطان قابوس- رحمه الله- في موقف واحد دفاعًا عن الأرض والكرامة. يومها وجّه السلطان رسائله إلى دول الأخوّة طلبًا للمساندة، فلم يجد استجابة صادقة إلّا من الجارة المسلمة التي وقفت دعمًا صلبًا في وجه عدوان غاشم وطارئ على المنطقة.
واليوم، حين يلوم البعض السلطنة على موقفها من إيران، يفعلون ذلك متغافلين الحقيقة التاريخية الواضحة.
فلماذا هذا التغافل؟ وإلى متى يظلّ البعض أسرى تصوّرات افتراضية كشفت الأحداث زيفها ولم يبقى لها مكان في واقع المنطقة؟
وعُمان، في موقفها المعروف، لا تنظر إلى الأحداث بعين الاصطفاف بقدر ما تنظر إليها من زاوية السيادة واحترام القانون الدولي؛ فإيران ليست غازية، بل تمارس حقها الطبيعي في الدفاع عن نفسها، وهي تواجه عدوانًا مركّبًا من عدوٍّ مشترك، وتقطع شرايين المجهود الحربي لدول فتحت أبوابها لإقامة بؤر معادية على أرضها.
والمشهد واضح لمن أراد أن يرى: موقف عُمان ثابت ومتزن، يستند إلى تاريخ طويل في مواجهة العدوان، وإلى قدرة واضحة على التمييز بين من يغزو الأوطان.. ومن يدافع عنها.
فالسيادة- في المفهوم العُماني- ليست شعارًا يُرفع في البيانات، بل قرار يُتخذ عندما تشتد العواصف.
وعندما تقف دولة متوسطة المساحة لكنها عريقة التاريخ لتقول كلمتها في خضم صراع دولي محتدم، فإنها لا تفعل ذلك بدافع المغامرة، بل بدافع الاستقلال السياسي؛ فالسيادة تعني ببساطة أن تقول: نعم عندما تريد.. ولا عندما يُراد لك أن تقولها.
وهنا يبرز دور الجبهة الداخلية امتدادًا طبيعيًا لهذا الموقف؛ فالدول التي تحافظ على استقلال قرارها تدرك أن قوة حضورها في الخارج تبدأ من صلابة الداخل وتماسكه. والتجارب السياسية تُظهر أن تماسك المجتمعات هو الركيزة التي تستند إليها الدول في تثبيت مواقفها، ولذلك تبقى الحاجة دائمة إلى وعي وطني يعزّز الانتباه ويصون تماسك الصف، ليظل الداخل متينًا كما هو الموقف الخارجي ثابتًا.
والسر الحقيقي لأي وطن أن يقف فيه رأس الهرم والقاعدة معًا؛ أن يكون الموقف القيادي ثابتًا، والصفوف الشعبية متماسكة خلفه. فلا قيمة للسيادة إذا لم تكن مدعومة بثقة الداخل، ولا تأثير للوطن إذا لم يستشعر كل فرد فيه مسؤوليته تجاه استقرار بلده.
وعُمان، بتاريخها الطويل، أعطت درسًا فريدًا في هذا الصدد: القيادة تعرف كيف تتخذ القرار، والشعب يعرف متى يقف خلفه بثقة كاملة.
وهنا يكمن حسّ القيادة الذكية؛ فهي ليست صدى لما هو قائم فحسب، بل استشراف مبكر لما يحتاجه المواطن، والتحرك بوتيرة سريعة قبل أن تتراكم المطالب المتعثرة فتتحول إلى عبءٍ على الاستقرار.
وعندئذٍ يصبح الوطن جبلاً لا تهزه العواصف مهما اشتدت، ولا تؤثر العوارض على تماسك المجتمع مهما تعاظمت.
إنها العلاقة الذكية بين رأس الهرم والقاعدة، بين القرار والمساندة، بين الصلابة والوحدة، التي تجعل من الوطن صخرة صلبة في وجه أي اختبار.
وعُمان- بتاريخها وحكمتها- تعرف أن من يقف في عين العاصفة لا تحميه الشعارات العالية، بل تحميه وحدة الصف وصلابة الداخل وثقة الشعب في دولته.
وحين تجتمع هذه الثلاثة، فإن العاصفة - مهما اشتدت - لا تفعل أكثر من أن تكشف للعالم صلابة الجبل الذي اسمُه عُمان.. الجبل الذي تعلّم عبر التاريخ كيف يقف ثابتًا عندما تشتد الرياح العاتية.
