رحلة في 50 عامًا من الصحافة والفكر والكلمة
الحركة السادسة
مجدي العفيفي
(28)
ومن خلال هذا التراكم، تيسّر الاقتراب من جوهر الشخصية العُمانية، بعد مسارٍ من الملاحظة والتحليل والمقارنة. وهو جوهرٌ لا يُفصح عن نفسه بسهولة، بل يحتاج إلى معايشةٍ طويلة، وإلى قراءةٍ تتجاوز الظاهر إلى الباطن. وقد انعكس ذلك في إنتاجٍ كتابي واسع، توزّع بين مؤلفاتٍ علمية، وكتاباتٍ صحفية، شكّلت في مجموعها محاولة لتقديم صورةٍ متكاملة عن عُمان، في أبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية.
على المستوى المهني، تنوّعت مجالات العمل داخل المؤسسات الإعلامية العُمانية، بين الصحافة المكتوبة، والمجلات الثقافية، والعمل التلفزيوني. فقد شمل ذلك المشاركة في صحف يومية مثل “الوطن” و”عُمان”، وتولّي مواقع تحريرية في مجلات مثل “السراج” و”المرأة العُمانية”، إضافة إلى موقع نائب رئيس التحرير في جريدة “الشبيبة”. كما امتدّ النشاط إلى المجال المرئي، عبر الإسهام في تأسيس قنوات فضائية، والمشاركة في إعداد البرامج والأفلام الوثائقية، وكتابة نصوص المناسبات الوطنية، بما يعكس حضورًا متعدد الأدوات في صياغة الرسالة الإعلامية.
ولم يقتصر الدور على الإطار المحلي، بل امتد إلى الفضاء العربي والدولي، من خلال إدارة مكاتب لعدد من المؤسسات الصحفية والإعلامية، من بينها إصدارات “دار أخبار اليوم”، و”دار السياسة” الكويتية، ومجلة “فوربز”، و”المجلة”، و”الشرق الأوسط”، و”زهرة الخليج”، وغيرها. وقد أسهم هذا الامتداد في نقل الصورة العُمانية إلى دوائر أوسع، والمشاركة في تقديمها ضمن سياقات متعددة، تتجاوز الإطار المحلي إلى الإقليمي والدولي.
(29)
أما على صعيد التأليف، فقد تجسّد الاهتمام بالشأن العُماني في عددٍ من الكتب التي تناولت قضايا الفكر والثقافة والمجتمع، من بينها: الأبعاد المتجاورة في فكر السلطان قابوس، ومنظومة الثقافة العُمانية، والشورى والمجتمع، ونغم عُماني عالمي، وغيرها من الأعمال التي سعت إلى قراءة التجربة العُمانية من زوايا متعددة. وتُضاف إلى ذلك أعمالٌ أخرى قيد النشر، تستكمل هذا المسار، وتعمّق مقاربته.
ورغم ما قد تضفيه هذه الخلفية من ثقلٍ على الشهادة، فإنها في الوقت ذاته تفرض مسؤولية مضاعفة في الالتزام بالموضوعية، وتغليب المنهج الأكاديمي على النزعة الذاتية. فالمقصود ليس تقديم سردٍ شخصي، بقدر ما هو محاولة لتحليل الدور الذي اضطلع به الإعلام العُماني منذ نشأته، واستكشاف موقعه في سياق التحولات الكبرى التي شهدتها السلطنة.
من هذا المنظور، يمكن النظر إلى هذه التجربة بوصفها جزءًا من مسارٍ أوسع، يتجاوز الفرد إلى الجماعة، ويتخطى السيرة إلى التاريخ. فهي شهادةٌ على مرحلةٍ من تشكّل الخطاب السياسي والإعلامي والثقافي في عُمان، وعلى الكيفية التي تداخلت بها العوامل المحلية والإقليمية في صياغته. وهي، في الوقت نفسه، محاولة لقراءة هذا المسار قراءةً متأنية، تضعه في سياقه، وتكشف عن دينامياته، دون ادعاء الإحاطة الكاملة، أو امتلاك الكلمة الأخيرة.
(30)
كانت عُمان تبني، لا على عجل، بل على بصيرة؛ وكانت تدرك أن الإعلام ليس صدىً للحدث، بل أحد صُنّاعه.
في ذلك السياق، جاء اقترابي من مركز القرار، حين عملتُ مستشارًا صحفيًا في مكتب السلطان قابوس بن سعيد. وهناك، انكشفت لي زاويةٌ أخرى من المشهد: كيف يفكّر القادة الذين يصنعون التاريخ في صمت، وكيف يُدار التوازن الدقيق بين الداخل والخارج، بين الهوية والانفتاح، بين الثابت والمتغير.
لم يكن السلطان قابوس رجل سلطةٍ تقليدي، بل كان حامل مشروع.. مشروعٌ يرى في الإنسان غايته، وفي الدولة أداته، وفي المستقبل أفقه المفتوح. كان يؤمن أن الكلمة، حين تُحسن التعبير عن روح المجتمع، تصبح قوةً ناعمة لا تقل تأثيرًا عن أي قوةٍ أخرى.
ومن هنا، لم يكن الإعلام في عهده جهازًا تابعًا، بل شريكًا في بناء الصورة، وصياغة المعنى، وتثبيت الحضور في عالمٍ سريع التحول.
(31)
في عُمان، تعلّمت أن بناء الدول يشبه كتابة كتابٍ كبير.
كل صفحةٍ فيه تحتاج إلى وعيٍ بما قبلها، وبصيرةٍ بما بعدها. لا تُكتب الجمل على عجل، ولا تُترك الفواصل للصدفة. هناك محررٌ خفي اسمه التاريخ، يراجع كل شيء، ولا يمنح اعتماده إلا لما يستحق البقاء.
وبينما كنتُ أعيش هذه التجربة، كانت المنطقة العربية كلها تتحرك تحت قدميها.
الخليج لم يعد ذلك الهامش البعيد في الوعي العربي، بل صار مركزًا صاعدًا، تتكثف فيه الطموحات، وتُعاد فيه صياغة مفاهيم الدولة والتنمية والهوية. ومن عُمان، بدأت دوائر التجربة تتسع: إلى الكويت، حيث الحيوية السياسية والإعلامية؛ إلى الرياض، حيث ثقل القرار؛ إلى دبي، حيث تُصاغ نماذج جديدة للحداثة؛ ثم إلى عواصم أبعد، في لندن وواشنطن، حيث يُعاد تعريف المنطقة في عيون العالم.
لكن، وسط هذا الاتساع كله، بقيت عُمان هي المركز الهادئ الذي انطلقتُ منه، والمرآة التي رأيتُ فيها تحولي الخاص. هناك، تداخل الخاص بالعام، حتى لم يعد ممكنًا الفصل بين سيرة الذات وسيرة المكان. كنت أكتب عن عُمان، وفي الوقت نفسه كانت عُمان تكتبني.
تخلّيتُ عن أشياء..
وتحلّيتُ بأشياء..
وتجلّت فيّ أشياء.
وبين هذه المقامات الثلاثة، تشكّلت تجربتي الأعمق: تجربة الانتقال من صحفيٍ يتابع الحدث، إلى شاهدٍ وشهيد يحاول أن يفهم منطقه، ويقرأ ما وراءه.
(32)
ذهبتُ إلى عُمان وأنا في ربيع العمر، محمّلًا بأسئلة البدايات، واندفاع الاكتشاف.
وغادرتُها مكانيًا وأنا في خريفه، محمّلًا بخبرةٍ لا تنتهي، وأسئلةٍ أكثر عمقًا.
لكن الحقيقة التي لا تقبل المساومة هي أنني، وإن غادرتُها مكانًا، لم أغادرها أبدًا معنى.
لقد اتسعت الخريطة.. نعم، لكن عُمان ظلّت النقطة التي أعادت تعريف الخريطة كلها.
ومن عمان بدأت الدائرة تتسع أكثر.
تنقلت بين الكويت والرياض ودبي، ثم امتدت الرحلة إلى لندن وواشنطن.
وفي كل مدينة كنت أكتشف وجهًا جديدًا للعالم.
في الخليج.. رأيت كيف يمكن للإرادة أن تحول الرمال إلى مدن نابضة بالحياة.
وفي العواصم الغربية.. رأيت كيف تُدار السياسة العالمية خلف ستائر القوة والمصالح.
كانت الصحافة تمنحني امتيازًا نادرًا: أن أكون شاهدًا على المسرح الكبير للتاريخ.
وفي تلك السنوات لم تكن المنطقة العربية تعيش هدوءًا.
كانت التوترات السياسية تتصاعد، والتحولات الدولية تعيد رسم خريطة العالم. ثم جاء الحدث الذي غيّر ميزان القوة العالمي كله: انهيار الاتحاد السوفيتي. كان ذلك أشبه بانهيار جبل جليدي ضخم كان يقف في قلب النظام الدولي.
وفجأة.. وجد العالم نفسه أمام قوة واحدة مُهيمِنة: الولايات المتحدة الأمريكية. بدأ عصر جديد تتصاعد فيه الهيمنة الأمريكية، وتتشكل فيه صراعات جديدة في الشرق الأوسط.
وكنت، بحكم المهنة والاهتمام، أتابع تلك التحولات عن قرب.
(33)
لكن أكثر ما علمتني إياه تلك السنوات لم يكن السياسة وحدها؛ بل الإنسان. تعلمت أن البشر- مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم- يحملون في أعماقهم الأسئلة نفسها: البحث عن الكرامة.. البحث عن الأمان.. والبحث عن معنى للحياة.
واليوم.. وأنا أقف في شرفة العام السبعين، أفهم أن تلك الرحلات الكثيرة لم تكن مجرد تنقل بين مدن.
كانت رحلة داخل خريطة أوسع للإنسان والزمن. كل مدينة تركت في روحي أثرًا، وكل تجربة أضافت طبقة جديدة من الفهم. لكن الحقيقة التي اكتشفتها في النهاية بسيطة: مهما اتسعت الخرائط التي نسافر عبرها، يبقى هناك مكان واحد فقط نعود إليه دائمًا؛ ذلك المكان هو الإنسان نفسه.
هناك، في أعماق الروح، حيث لا ضجيج السياسة ولا صخب العناوين الصحفية.. يبدأ الصمت.
الصمت الذي يولد منه ببطء، شيء اسمه الحكمة. وهكذا تستمر سيمفونية الصمت والحكمة.
رحلة بدأت بطفلٍ في زمن الثورة، ثم صحفيٍ سمع نداء الكلمة، ثم مسافرٍ عبر خرائط السياسة والإعلام.
لكن الرحلة الحقيقية لم تكن في الخارج فقط.. كانت- ولا تزال- في الداخل.
ونواصل السردية السبعينية في بُعدها العُماني.. إن كان في العمر بقية.
