مستقبل الرؤى الاقتصادية للتنمية الخليجية

 

 

 

 

ناجي بن جمعة البلوشي

 

اعتمدت دول مجلس التَّعاون الخليجي على خُطط للتنمية الاقتصادية من خلال رؤى استراتيجية شاملة تسعى منها لإعادة صياغة الاقتصاد والمُجتمع والدولة، وذلك لتنويع مصادر الدخل وبناء اقتصادات معرفية متقدمة، مع الانتقال إلى المدن الذكية والاستثمار في الإنسان؛ وهي تمثل طموحًا تاريخيًا للخروج من الاعتماد التقليدي على النفط نحو مُستقبل أكثر استدامة وازدهارًا.

غير أنَّ هذا الطموح الكبير يقف أحيانًا على أرض جيوسياسية شديدة الحساسية؛ فالمنطقة التي تقع فيها دول الخليج، تعد واحدة من أكثر مناطق العالم تعرضًا للتوترات والصراعات- المفتعلة بفعل فاعل- حتى غدا أمر الصراعات فيها لا ينقطع بين فينة وأخرى؛ لتصبح الحروب سواء المباشرة أو غير المباشرة، أحد أخطر التحديات التي قد تُهدد مسار هذه الرؤى.

الحروب عادة أول ما تفعله هو إعادة ترتيب الأولويات للدول؛ فالدولة التي كانت مخططها توجيه مواردها نحو التعليم والابتكار والبنية التحتية، قد تجد نفسها مضطرة لتوجيه جزء كبير من ميزانيتها نحو الأمن والدفاع؛ لترتفع بها تكاليف الحماية والاستقرار، وهنا ربما تتراجع الحكومات عن تمويل المشاريع التنموية الكبرى أو الاستمرار بنفس الوتيرة التي خُطط لها. كما إنَّ الحروب بطبيعتها تؤثر في المناخ الاقتصادي والاستثماري، فتخالف ما يبحث عنه المستثمر العالمي لأنَّ المستثمر العالمي يبحث دائمًا عن الاستقرار قبل الربح. وهنا المُعادلة تقول: عندما تتصاعد التوترات العسكرية في أي منطقة، تصبح قرارات الاستثمار أكثر حذرًا، وقد تتجه رؤوس الأموال إلى أسواق أخرى أكثر أمنًا.

بدوره التردد الاستثماري، يُمكن أن يبطئ مشاريع التنويع الاقتصادي التي تعتمد بدرجة كبيرة على الشراكات الدولية ورؤوس الأموال العابرة للحدود، وحيث إن هذه التأثيرات لا تقف عند الاقتصاد فقط؛ بل تمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية والتجارة الدولية؛ فالحروب قد تُعطِّل طرق التجارة البحرية أو ترفع تكاليف الشحن والتأمين، خاصة في مناطق استراتيجية مثل مضيق باب المندب بالبحر الأحمر ومضيق هرمز في الخليج العربي، واللذان تمر عبرهما نسبة كبيرة من تجارة الطاقة في العالم. وأي اضطراب في هذه الطرق ينعكس مُباشرة على الاقتصاد الإقليمي والعالمي. ولأن الحروب أيضًا تخلق حالة من عدم اليقين الاجتماعي والنفسي لدى المجتمعات التي عندها، تعيش في ظل توترات مستمرة تميل إلى الانشغال بالأمن والاستقرار أكثر من التفكير في الابتكار والمغامرة الاقتصادية، وهو ما يُؤثر على البيئة الإبداعية التي تحتاجها مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى.

إلّا أنه ورغم ذلك استطاعت دول مجلس التعاون الخليجي خلال عقود قصيرة بناء اقتصادات قوية وبنى تحتية متقدمة في بيئة إقليمية معقدة تحيط بها أطماع دول عظمى ترى في النفط الثروة والنفوذ والاستبداد؛ فتُحاول في كل مرة جاهدة خلق مُسببات الحروب والتداعيات المؤدية إليها خاصة عندما يكون لدول الخليج العربية خطط طموحة وانتقال استراتيجي إلى الأمام المستقبلي ليتكرر المشهد نفسه، لكنه بمسمى ورؤية مختلفة. وبذلك فإن تكرار المشهد في كل مرة تعتزم فيه هذه الدول الانتقال لهدف جديد، يؤكد وجود مخطط إستراتيجي يستهدفها من قبل مخططين إستراتيجيين عالميين، وإنْ كان بمسميات وسياسات أخرى كالشراكة والانفتاح وخلق التحالفات المشتركة والأمن الإقليمي والسلام الدائم وغيرها.

من يُخطط هذه الاستراتيجيات يدرك أنه بهذه المسميات والمصطلحات لن تتقدم هذه الدول مقدار أنملة. ورغم هذا كله فإنَّ دولنا تعمل جاهدة لبلوغ أهدافها والحفاظ عليها وعلى المكتسبات والسير بخطى قوية على مسار التنمية الجديد، وتعتمد دولنا في تجنب الحروب بالتزامها سياسة النأي بالنفس وتنويع الشراكات الدولية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي عبر الدبلوماسية والتعاون. إلّا من لا يدرك السياسة المحيطة به ويفكر في بناء استراتيجيات مرنة، يرى في دولته أنها قادرة على امتصاص الصدمات وإن كان هذا الاعتقاد متكرر في عدة فخوخ سياسية في تاريخه السياسي.

إنَّ رؤى التنمية الخليجية الحديثة تمثل وعدًا بمُستقبل مختلف لأبنائها؛ مستقبل يقوم على المعرفة والاقتصاد المتنوع والإنسان المبدع. لكن هذا المستقبل يظل مرتبطًا بقدرتها على تحييد شبح الصراعات، وذلك من خلال معرفة التاريخ والجغرافيا أولاً والذي تقوم على أساسه الصراعات في المنطقة؛ إذ إنَّ فحص التاريخ وارتباطه بالجغرافيا يُحلِّل ما رأيناه سابقًا وما نراه اليوم وما هو آتٍ في المستقبل، لأننا بصراحة نعيش فيما نحن عليه الآن منذ عقود مضت، لكنه في بقع ومُسميات وظروف متشابهة الهدف ومختلفة الأسماء، فنحن وسط فوهة عدم استقرار جغرافية متجددة لا أكثر؛ فمن الشرق الجغرافي باكستان وإيران، وفي الشمال العراق والأردن، وفي الغرب مصر والسودان، وفي الجنوب اليمن والصومال وجيبوتي، وكل هذه الدول التي تشكل دائرة محكمة علينا، كما إنها محاطة بحزام دول أخرى تتناوب معها على عدم الاستقرار الدائم. وتُشرف على هاتين الدائرتين دولٌ من خلفها تؤثر علينا باستمرار، وفي النهاية، قد تكون الرسالة الأهم: هل نحن مدركون لهذا كله؟!

الأكثر قراءة

z