ناجي بن جمعة البلوشي
تنتقل الحرب إلى السيناريو الأكثر تعقيدًا؛ سيناريو الانفجار الإقليمي، والذي يلوح في الأفق اليوم، فمع كل خطوة من الاحتكاك المباشر، يتحول الانفجار الإقليمي إلى مسألة متعددة الأبعاد، لتشمل مناطق أوسع، من العراق إلى لبنان، ثم اليمن، وربما غدًا في دول أخرى لها مصالح تتقاطع مع هذه التدخلات.
فمثلًا، ترى مصر ودول الاتحاد الأوروبي دخول اليمن الحرب في هذا الوقت خطًا أحمر على مصالحها الاقتصادية، وترى الصين وقف إمدادات الطاقة خنقًا لاقتصادها. أما إذا انتقلنا إلى البعد الاقتصادي العالمي، فورقة حرب المضايق، هرمز وباب المندب، تعني حرفيًا تعطلًا كبيرًا لسلاسل الإمداد وخنق أسواق الطاقة، وبها تزداد المخاطر على التجارة والاستثمار والصناعة والزراعة وكل مناحي الحياة، وسيكون انعكاسه اقتصاديًا على كل دول العالم، ويصبح الاستقرار المالي والإقليمي رهينًا لهذه المواجهة. بينما يمتد تأثيرها على الشأن الاجتماعي والإنساني، فيتفاقم خطر الجوع، وتعطل المصانع، وتوقف الصادرات، وتسريح العمال، والنزوح الجماعي من مناطق النزاع إلى الدول المجاورة، ومنها دول الخليج التي ربما ستكون ملاذًا لكل فقراء إيران، الذين يقدر عددهم بالملايين، ليكونوا عبئًا على مواطني تلك الدول؛ فيعيش السكان المدنيون تحت وطأة قلق دائم، ومعها تتعرض دولنا إلى ضغوط متزايدة في الأمن والسياسة الداخلية.
وفي هذا السياق، يصبح القرار السياسي والدبلوماسي الحاسم هو العامل الأبرز الذي يمكن أن يحدد مدى تحول الأزمة إلى كارثة شاملة أو النجاح في احتواء الانفجار. ويعتمد هذا على قدرة الأطراف على الموازنة بين الردع والمرونة، بين القوة والدبلوماسية، بين المصالح الذاتية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي. ويظل الشرق الأوسط اليوم على مفترق طرق حاسم؛ حيث كل خطوة محسوبة بدقة، وكل حركة تحمل انعكاسات فورية على الأمن والاستقرار والاقتصاد.
وما التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض والرئيس الأمريكي ونائبه ووزير خارجيته ليست مجرد مناورة أو اختبار استراتيجي عابر، بل تجسيد حي لمعنى الحرب القائمة على الأرض. وفي نهاية المطاف، يبقى التوازن دقيقًا بين السياسة والاقتصاد والاجتماع والأمن، وهو اختبار مباشر لنضج السياسات الإقليمية والدولية، قبل أن يمتد الصراع خارج حدوده الأصلية بفعل تحالفات أو تدخلات مباشرة وغير مباشرة، تتوسع فيها رقعة الحرب لتشمل أطرافًا جديدة، ما يرفع كلفتها ويعقّد مسارات احتوائها.
وقد يؤدي ذلك إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، أو حتى إلى تحولات في النظام الدولي نفسه؛ لذا، كان التقدير السائد لدينا أن يتجه الرئيس الأمريكي إلى إعلان تفاهم مع إيران يقضي بوقف العمليات العسكرية، ومنح عُمان وإيران الحق في إدارة مضيق هرمز، لأنه مكسب اكتسبته بدماء الحرب القائمة، بالتوازي مع تهدئة شاملة تمتد عبر مختلف الساحات، من لبنان إلى العراق واليمن؛ بما يشمل تنفيذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وفق مقتضيات مجلس الأمن وقراراته ذات الصلة.
وكان من المنتظر كذلك أن تُسند إدارة الملف النووي الإيراني إلى نائب الرئيس الأمريكي، لقيادة مسار تفاوضي يُعيد إحياء الاتفاق النووي الإيراني 2015، الذي سبق وأن انسحب منه ترامب في مستهل الولاية الأولى، على أن يُعاد تصميم الاتفاق بصيغة أكثر شمولًا، تُتيح لدول مجلس التعاون الخليجي وإسرائيل دورًا في بعض بنوده، وبما يُعالج الهواجس المرتبطة بالبرنامج الصاروخي الإيراني وسائر الملفات الإقليمية، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران، مع استمرار التزام القيادة الإيرانية بالفتوى التي تحرّم امتلاك السلاح النووي.
غير أن ما برز في خطاب ترامب جاء على خلاف تلك التقديرات، إذ طغت نبرة تصعيدية مستجدة تفتقر إلى الاتزان الاستراتيجي؛ فقد طرح الرئيس الأمريكي معادلة ضاغطة على المجتمع الدولي، مفادها الاختيار بين الاعتماد على الطاقة الأمريكية -في وقت لا تكفي فيه لتلبية احتياجات قوى كبرى مثل الصين- أو الانخراط في مواجهة مع إيران لفتح مضيق هرمز، مع إدراكه بقدرة طهران على دفع التصعيد إلى مستويات تتجاوز مجرد إغلاق الممر الملاحي.
وكم عساه أن يكون سعر برميل النفط الذي ستوفره الولايات المتحدة؟ وترافق ذلك مع تلويحات باستهداف البنية التحتية للطاقة والكهرباء، رغم ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات مباشرة على إمدادات النفط والغاز، في وقت تسهم فيه إيران بنحو يقارب 3 ملايين برميل يوميًا في السوق، فضلًا عن صادراتها الغازية إلى دول مثل تركيا.
كذلك، طرح مقاربات رقابية من خارج الأطر المتفق عليها، كالمراقبة الفضائية للمنشآت النووية، على الرغم من أن "الاتفاق النووي الإيراني 2015" يُتيح آليات تحقق أكثر دقة وفعالية عبر أنظمة رقابة داخلية مشروطة، تشمل استخدام الكاميرات والإشراف المباشر والتفتيش الفجائي ضمن ترتيبات متفق عليها. كما أنه وضع الحلفاء في دول الخليج العربي والعراق أمام تحديات معقدة، تلوح في أفقها مخاطر انكماش اقتصادي حاد؛ فقد أدى تعطّل مصافي النفط ومرافق التكرير ومنشآت الغاز، إلى جانب الموانئ والمطارات، فضلًا عن تأثر قطاعات السياحة والصناعة والأسواق، إلى شلل واسع في مفاصل الاقتصاد، في ظل غياب أفق زمني واضح لإنهاء الصراع أو تحديد أهدافه الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، تبدو العمليات العسكرية، بما تحمله من دمار وتصعيد، فاقدة لجدواها العملية؛ إذ لا تقترن برؤية سياسية متكاملة أو مخرجات ملموسة يمكن البناء عليها، الأمر الذي يعمّق حالة الضبابية ويزيد من كلفة الاستنزاف. وهنا نتوقف، فصوت الشعب الأمريكي هو الذي سيُكمل الحديث بعد ما شاهدناه من مظاهرات حاشدة احتجاجًا على الحرب في إيران.
