ناجي بن جمعة بن سالم البلوشي
السيناريو الثاني والمتمثل في استهداف جزيرة خارج، الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيراني، فإنه -حتى في حال تحققه- لن يضمن استعادة تدفق الطاقة، بقدر ما قد يفتح الباب أمام تصعيد نوعي يهدد الملاحة البحرية برمتها.
في المحصلة، تكشف هذه المعطيات أن الانتقال من فرضية "الاحتلال المحدود" إلى واقع ميداني مستقر ليس مسارًا مضمونًا، بل قد يقود إلى نمط جديد من الصراعات طويلة الأمد، تتداخل فيه أشكال المقاومة غير التقليدية مع تعقيدات الجغرافيا والسياسة، بما يعيد إنتاج الأزمة بدل إنهائها. لكن، وقبل الإقدام على مجازفة الانخراط في خطة بديلة محفوفة بإخفاقات محتملة، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تميل إلى خيار تصعيدي محسوب، قوامه تعظيم المكاسب الميدانية ورفع سقف التهديد إلى حد التلويح بدمار أشمل. غير أن هذا المسار سيغير قواعد اللعبة في المنطقة والعالم ككل، فقصف كل مصادر الطاقة والكهرباء والماء في إيران يعني كارثة على كل دول الخليج، وبداية حرب عالمية ثالثة من أجل موارد الطاقة، فمصالح القوى العظمى ستكون في المحك فور توقف كل إمدادات الطاقة، وحرق حقول النفط ومنصات الغاز، ناهيك عن كارثة بيئية وزحف ملايين النازحين إلى الدول المجاورة، ولن يقود كل هذا إلى حسم سريع، بل ربما إلى تعقيد أكثر.
وهنا يبدأ السيناريو الثالث، الدبلوماسية، ويبرز دور الحلفاء الإقليميين لأمريكا والكبار بالقوة والكثافة السكانية منهم بوصفهم أذرعًا متقدمة في إدارة الضغط على إيران، عبر مكانتهم في توسيع نطاق التأثير الاستراتيجي، بما يُعيد تشكيل طبيعة الصراع من مواجهة مباشرة إلى شبكة معقدة من الضغوط متعددة المستويات. وهذا نادرًا ما يُنتج حسمًا واضحًا؛ بل إنه غالبًا ما يفضي إلى مفاوضات مؤجلة تُدار تحت وطأة الوقائع المفروضة، أو إلى تسويات جزئية تفتقر إلى الاستدامة. وفي الحالتين، لا يكون التغيير جذريًا بقدر ما يكون تراكميًا، حيث يُعاد تشكيل موازين القوى تدريجيًا، دون أن يُحسم الصراع بصورة نهائية.
وعليه، فإن هذا السيناريو لا يُمثّل مخرجًا بقدر ما يُعدّ انتقالًا إلى طور مختلف من إدارة الأزمة، تُستبدل فيه سرعة الحسم بثقل الزمن. والآن، بعد أن تعذّر تحقيق الحسم العسكري، واستُنفدت أدوات الضغط الأحادي دون نتائج حاسمة، يبرز سيناريو التدويل والتسوية المفروضة كخيار اضطراري. عند هذه المرحلة، لا يعود الصراع شأنًا ثنائيًا بين القوى المباشرة، بل يتحول إلى ملف دولي مفتوح، تتداخل فيه حسابات القوى الكبرى ومصالحها الاستراتيجية، وتُدار فصوله عبر منصات متعددة: سياسية ودبلوماسية واقتصادية. ويعني ذلك عمليًا نقل مركز الثقل من الميدان إلى طاولة التفاوض، ولكن ليس من موقع توازن كامل، بل في ظل اختلال نسبي في موازين القوى، تسعى من خلاله الأطراف الأكثر نفوذًا إلى فرض تسوية تُكرّس الحد الأدنى من مصالحها وتمنع في الوقت ذاته انزلاق الأوضاع إلى فوضى شاملة.
هنا تتكثف أدوات الضغط متعددة الأطراف على أمريكا لإنهاء الصراع فورًا، وترك مساحة للعقلاء من تلك الدول في إدارة الملف برمته، عبر وساطات إقليمية، لتشكّل منظومة متكاملة تُمهّد لفرض واقع سياسي جديد. وقد دخلت في هذا الجانب دول ومنظمات عدة، منها بريطانيا، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، بهدف المساهمة في التهدئة أو البحث عن تسوية، لكن جميعها تواجه قيودًا واضحة في التأثير على الولايات المتحدة، فلا يمكن لأي منها فرض عقوبات عليها أو إجبارها على قبول شروط محددة، ما يجعل الدور الدولي مقيّدًا ومحدود التأثير، رغم أن بعض هذه الدول لديها تحالفات عسكرية مع الولايات المتحدة وقد ضغطت عليها في هذا الجانب، إلا أنه لم يثنِها.
