السمت العُماني في رمضان.. هوية تتجدد وقيم تُمارَس

 

 

أحمد بن خميس الجديدي **

لا يقتصر شهر رمضان في عُمان على كونه موسمًا للعبادة، بل يتحول إلى فضاء اجتماعي تتجدد فيه ملامح الهوية الوطنية وتُستعاد فيه منظومة القيم بوصفها ممارسة يومية لا خطابًا نظريًا. ففي هذا الشهر تتكامل العبادة مع السلوك، وتظهر أخلاقيات المجتمع في تفاصيل الحياة العامة والخاصة، حيث يلتقي الناس على معاني الوقار والتراحم والتكافل، وتتعزز الروابط الأسرية والمجتمعية في صورة تعكس أصالة المجتمع العُماني وعمق انتمائه الثقافي والحضاري.

أولى هذه السمات الوقار الذي يطبع المشهد العام خلال الشهر الفضيل. يتجلى ذلك في هدوء الإيقاع الاجتماعي، وانضباط السلوك في الطرقات وأماكن العمل والأسواق؛ فالصائم يراقب كلماته وتصرفاته، ويحرص على أن يكون حضوره انعكاسًا لقيم الصبر وضبط النفس واحترام الآخرين. هذه الحالة الجماعية من السكينة لا تُفرض بقوانين، بل تنبع من وعي أخلاقي مشترك يرسّخ ثقافة الاحترام بوصفها قاعدة للتعايش اليومي.

وتبرز البساطة كقيمة متجذرة في تفاصيل الحياة الرمضانية. فموائد الإفطار في البيوت العُمانية تُقام بروح المشاركة لا بروح التكلّف؛ حيث تجتمع الأسرة حول أطباق تقليدية تعبّر عن الموروث الغذائي المحلي وتُقدِّم معنى الألفة على مظاهر الاستعراض. كما تتجسد البساطة في المجالس الرمضانية التي تظل مفتوحة للضيوف دون تكلف، وفي الزيارات العائلية التي تُعيد إحياء صلات الرحم وتُرسّخ قيمة القرب الإنساني.

أما الكرم فيأخذ بعدًا عمليًا يتجاوز حدود الضيافة التقليدية. فالمجتمع يشهد خلال رمضان مبادرات متزايدة لدعم الأسر المتعففة، وتوزيع السلال الغذائية، والمشاركة في تفطير الصائمين في المساجد والطرق العامة. كثير من الأحياء تنظم موائد جماعية يشارك في إعدادها السكان أنفسهم، فيجتمع الجهد الشعبي مع الحس الإنساني ليصنع نموذجًا حيًا للتكافل الاجتماعي. هنا يتحول العطاء إلى مسؤولية مشتركة يشعر فيها الجميع بأن رفاه المجتمع مسؤولية جماعية لا واجبًا فرديًا فحسب.

وفي سياق هذه الممارسات، يظل احترام الكبير قيمة محورية تتجدد حضورًا وممارسة. ففي اللقاءات العائلية تتقدم الأجيال الأكبر سنًا مجالس الحديث، ويُستعاد دورهم بوصفهم مرجعًا للخبرة والحكمة. ويحرص الأبناء والأحفاد على زيارتهم وتفقد أحوالهم، فتتحول هذه اللقاءات إلى مساحة تربوية غير مباشرة تُنقل فيها القيم عبر الممارسة اليومية.

وتتجلى روح الجماعة بوضوح في المساجد والمجالس والأنشطة التطوعية. فصلاة التراويح والقيام تجمع الناس في صفوف متراصة، والمبادرات الخيرية تُنفذ بروح الفريق، والاجتماعات العائلية الممتدة خلال الشهر تعزز الإحساس بالانتماء والروابط الاجتماعية. إن هذه المظاهر تعكس وعيًا جمعيًا بأن المواطنة ليست مفهومًا نظريًا، بل ممارسة تُبنى على التعاون والتضامن والشعور بالمسؤولية المشتركة.

إنَّ رمضان في عُمان يمثل مرآة سنوية تعكس جوهر الهوية الوطنية في أجمل صورها. وفي زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والثقافية، يظل هذا الشهر محطة متجددة تستعيد فيها القيم حضورها العملي، وتؤكد قدرة المجتمع على التمسك بجذوره الأصيلة مع مواكبة معطيات العصر. وهكذا يبقى السمت العُماني في رمضان شاهدًا حيًا على أن القيم حين تتحول إلى سلوك يومي تصبح جزءًا راسخًا من هوية تتجدد ولا تتبدل.

** رئيس قسم خدمة المراجعين، المديرية العامة للتعليم بمحافظة البريمي، بإشراف دائرة المواطنة، وزارة التعليم

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z