ليانغ سوو لي **
يوافق الخامس عشر من مارس الجاري، من هذا العام الذكرى الثالثة لطرح مبادرة الحضارة العالمية. وفي هذه اللحظة، لا تزال نيران الحرب مشتعلة في الشرق الأوسط، فيما يبعث المشهد العام على القلق والأسى. وقد يبدو الحديث عن «الحضارة» في مثل هذه الأوقات بعيدًا عن واقع تملؤه أصوات الصواريخ ودخان المعارك. غير أن الأماكن التي يملؤها البارود هي نفسها التي تفرض سؤالًا أكثر إلحاحًا: ما الجذور الحقيقية للصراع؟
إذا اكتفينا بتفسير اضطرابات الشرق الأوسط بوصفها نتيجة لصراعات مذهبية أو عداوات قومية، فسنبقى ندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها. ومن منظور حوكمة العالم، تبدو أزمة المنطقة مرتبطة إلى حد كبير باختلالات في منظومة الحوكمة نفسها، وهي اختلالات تتشابك بدورها مع صراعات قيمية وحروب سرديات تتنافس فيها الروايات والتفسيرات. ومن هنا تبرز الدلالة الواقعية لمبادرة الحضارة العالمية التي طرحتها الصين؛ فهي ليست فكرة مثالية منفصلة عن الواقع، بل مدخل مهم لمعالجة الصراعات الراهنة وإعادة التفكير في أسس النظام الدولي.
ولفهم جيد هذه المبادرة على نحو أدق، ينبغي النظر إليها ضمن الإطار الأوسع للمبادرات العالمية الأربع التي طرحتها الصين في السنوات الأخيرة. فمبادرة التنمية العالمية تركز على معالجة الفقر وأوجه عدم التوازن، وهي بمثابة معالجة «للتربة» التي تنبت فيها الاضطرابات. أما مبادرة الأمن العالمي فهدفها بواسطة الحوار والتشاور لحل النزاعات الدولية، بما يشبه «وقف النزيف» في اللحظة الراهنة. وتأتي مبادرة الحضارة العالمية لتعزيز التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات، بما يمهد الطريق لمصالحة أعمق على مستوى القيم والوعي. أما مبادرة الحوكمة العالمية فتركز على إصلاح الآليات والمؤسسات الدولية، واضعة الأساس لبناء نظام عالمي أكثر توازنًا واستدامة. وهكذا تتكامل هذه المبادرات، من زوايا التنمية والأمن والحضارة والحوكمة، لتقدم رؤية متماسكة لنظام دولي أكثر استقرارًا وتقدمًا.
بالنسبة إلى الشرق الأوسط، تبدو هذه الأبعاد الأربعة ضرورية ومترابطة. غير أن لمبادرة الحضارة العالمية دورًا خاصًا يكاد يشكل روح هذه الرؤية؛ فبدون الاحترام المتبادل بين الحضارات قد تتحول الاتفاقيات الأمنية إلى حبر على ورق، وبدون التسامح والتعلم المتبادل على المستوى القيمي قد تضيع ثمار التنمية في دوامات صراع جديد. لقد دخل المجتمع البشري القرن الحادي والعشرين، وأي خطاب يروّج لفكرة صراع الحضارات أو يسعى إلى صناعته ليس سوى ارتداد إلى الوراء في مسار التاريخ. فكل حضارة تنبثق من بيئتها التاريخية والثقافية الخاصة، وتحمل في طياتها حكمة أمة وتطلعات شعبها الروحية والفكرية. وقد يختلف البشر في ألوانهم ولغاتهم، لكن الحضارات لا تعرف تفاضلًا في القيمة أو المكانة.
وإذا نظرنا إلى مسار العلاقات الصينية- العربية، نجد مثالًا عمليًا على إمكان التفاعل الإيجابي بين الحضارات. فقد كانت جامعة الدول العربية أول منظمة إقليمية في العالم تشارك الصين في إصدار وثيقة مشتركة لتفعيل مبادرة الحضارة العالمية. ومن خلال هذا التعاون، يستلهم الجانبان من تراثيهما الحضاريين العريقين قيمًا مشتركة مثل السلام والتسامح والعدل والانسجام. كما أن الروح التي تقوم عليها المبادرة، القائمة على الاحترام المتبادل والانفتاح والتسامح الثقافي، تنسجم إلى حد كبير مع القيم العربية والإسلامية التي تدعو إلى الحوار والتعارف بين الشعوب.
وفي مايو 2024، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال افتتاح الاجتماع الوزاري العاشر لمنتدى التعاون الصيني-العربي، استعداد الصين للعمل مع الدول العربية على إنشاء المركز الصيني-العربي لمبادرة الحضارة العالمية. وفي نوفمبر من العام الماضي، استضافت بكين بنجاح الدورة الحادية عشرة من ندوة الحوار الحضاري الصيني-العربي، حيث عمل الجانبان على تطوير آليات عمل هذا المركز، بهدف تحويله إلى منصة تفاعلية حقيقية تخدم تطلعات الطرفين وتسهم في بناء شبكة عالمية للحوار والتعاون بين الحضارات.
قد تبدو ثلاث سنوات فترة قصيرة في حسابات التاريخ، غير أن بذور الأفكار الكبرى قد زُرعت بالفعل. ففي هذه الأرض العريقة التي شهدت ميلاد أقدم الكتابات والقوانين والمعتقدات الإنسانية، لا ينبغي للحضارة أن تبقى مجرد ذكرى من الماضي، بل يمكنها أن تكون أيضًا أساسًا لنظام سلام في الحاضر والمستقبل.
فإدارة شؤون العالم تبدأ أولًا بإدارة عقول البشر وقلوبهم، وإدارة العقول والقلوب تبدأ باحترام حضارات الآخرين. ومن هذا المنطلق، تتطلع الصين إلى العمل جنبًا إلى جنب مع الدول العربية، مسترشدة بروح مبادرة الحضارة العالمية، من أجل خدمة مصالح شعوب الجانبين وتعزيز القيم الإنسانية المشتركة، بما يسهم في دفع مسيرة بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.
** إعلامية صينية
