المواطنة في زمن الفضاء المفتوح

 

 

 

د. إبراهيم بن سالم السيابي

هل نحن مواطنون حين نكتب، أم مجرد مستخدمين؟ سؤال لم يكن مطروحًا قبل سنوات، لكنه اليوم يفرض نفسه مع كل تغريدة، وكل تدوينه، وكل مقطع، وكل رأي يُنشر في لحظة، وقد يبقى أثره لسنوات؛ فالمواطنة لم تعد تُختبر في المواقف الكبرى فقط، بل أصبحت تُقاس في أبسط تفاصيل حضورنا الرقمي.

في معناها البسيط، المواطنة هي علاقة متبادلة بين الفرد والدولة: حقوق تُصان، وواجبات تُؤدى. لكنها في زمن المنصات المفتوحة تحولت إلى سلوك يومي، يظهر في الكلمة قبل الفعل، وفي الوعي قبل الموقف. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد التعبير امتيازًا محدودًا، بل أصبح حقًا متاحًا للجميع… وهنا بدأ الاختبار الحقيقي.

فالدولة تحتاج إلى مساحة من الاستقرار لتُنفذ خططها، والمواطن يحتاج إلى مساحة من الحرية ليُعبّر عن رأيه. وبين هذين الاحتياجين، جاءت وسائل التواصل لتلغي المسافة بين القرار وردة الفعل. لم يعد القرار، ولا المبادرة، ولا المشروع التنموي، ولا الخدمة العامة، يُمنح وقتًا كافيًا ليُفهم بهدوء؛ بل يُعرض كل ما يصدر عن المؤسسات فورًا على طاولة النقاش العام، قبل أن تكتمل صورته أو تتضح نتائجه. وهنا لا تكمن المشكلة في النقد، بل حين يسبق الفهم، ويبتعد عن المعرفة.

فليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر يُعبّر عن وعي. هناك فرق دقيق بين نقد يُصلح، وكلمة قد تُربك، أو تُسيء، أو تُفقد الثقة؛ فالمواطن في هذا الفضاء لا يمثل نفسه فقط، بل يعكس صورة وطنه، ويؤثر- ولو بشكل غير مباشر- على محيطه الداخلي وعلاقاته الخارجية. وحين تصدر تغريدة أو تدوينة أو تُتداول مثلًا مقاطع أو عبارات تمس دولًا شقيقة أو قادتها، فإن المسألة لا تبقى في إطار “الرأي الشخصي”، بل تتجاوز إلى مساحة أوسع تمس نهج الدولة ومصالحها.

لكن، وفي مقابل ذلك، لا يمكن- في بعض الأحيان- أن تُحمِّل المسؤولية لطرف واحد. فالجهات المختصة في الدولة أيضًا معنية بأن تُدير هذا الفضاء بوعي مختلف؛ أن تشرح، وأن تبادر، وأن تسبق الشائعة بالمعلومة. لأن الفراغ لا يبقى فراغًا؛ بل يُملأ، وغالبًا بما ليس دقيقًا. وهنا تظهر معادلة حساسة: كلما اقتربت الدولة من الناس، قلّت المسافة التي تتحرك فيها الشائعات.

ولعل أخطر ما يكشفه هذا الفضاء هو سلوكنا في لحظات التحدي أي كان نوعها. في مثل هذه اللحظات، لا تعود الكلمة مجرد رأي، بل قد تتحول إلى موقف، وربما إلى عامل تهدئة… أو تصعيد. هنا تُختبر المواطنة بصدق: هل ننشر ما يطمئن، أم ما يُثير؟ هل نتحقق قبل أن نُعيد النشر، أم نُسهم- دون قصد- في تضخيم القلق؟ في الأزمات، لا يكون الصمت ضعفًا دائمًا، ولا يكون الكلام شجاعة دائمًا.

ولا تقف حدود المسؤولية عند لحظات التحدي، بل تمتد إلى ما هو أبعد… إلى لحظات التصعيد الدولي، حيث تتداخل السياسة بالمشاعر، وتشتد حدة الخطاب. في مثل هذه اللحظات، لا يكون ما يُنشر مجرد تفاعل عابر، بل قد يُفهم على أنه موقف. فإعادة تداول مقطع غير دقيق، أو تبني رواية منحازة دون وعي، أو الإساءة لدول تربطها علاقات ببلدك، قد يضعك- دون أن تشعر- في مساحة تتجاوز رأيك الشخصي. هنا، تصبح المواطنة أكثر تعقيدًا: أن تُعبّر… دون أن تُسيء، وأن تتفاعل… دون أن تُربك، وأن تدرك أن الصمت أحيانًا موقفٌ أكثر وعيًا من ضجيج لا يُضيف.

وفي هذا السياق، لم تغب الدولة عن هذا التحول، فسعت إلى تنظيم الفضاء الرقمي عبر تشريعات واضحة، من بينها قانون الجرائم الإلكترونية العُماني رقم (929) الصادر في 15/2/2011م، في محاولة لحماية المجتمع من التجاوزات، دون أن تُلغي مساحة التعبير. لكن القانون، مهما كان مهمًا، لا يمكن أن يكون البديل عن الوعي، بل هو حدٌّ أدنى يحمي، لا سقفًا يُبنى عليه.

ومع كل ذلك، لا يمكن أن نغفل الجانب المشرق لوسائل التواصل الاجتماعي؛ فهي لم تكن يومًا مجرد مساحة للخطأ، بل كانت- ولا تزال- أداة للتقارب، ونقل المعرفة، وإيصال الصوت، وصناعة المبادرات. ومع قليل من الإنصاف كثيرا مما يُنشر لا يكون بدافع الإساءة، بل قد يصدر في لحظة اندفاع، أو بحسن نية، أو دون إدراك كامل لتبعاته. وهذا أمرٌ إنساني قبل أن يكون إشكالًا. لكن إنسانيتنا نفسها تدعونا إلى التوقف بين حينٍ وآخر، أن نُراجع ما نكتب، وأن نسأل أنفسنا: هل ما ننشره يُضيف… أم يُربك؟ هل يُعبّر عنا كما نريد… أم كما فرضته اللحظة؟ فالمُراجعة ليست تراجعًا، بل وعيٌ يتجدد، ومسؤولية نختارها بإرادتنا.

في الختام، المساحة في وسائل التواصل يجب أن تبقى، لكنها لا يمكن أن تكون بلا حدود. حرية التعبير وإعادة النشر ليست أن نقول كل شيء، بل أن نعرف ماذا نقول، ومتى، وكيف. هي مسؤولية قبل أن تكون حقًا، ووعي قبل أن تكون اندفاعًا.

فلم تعد المواطنة شعارًا يُرفع، بل مُمارسة تُكتب حرفًا حرفًا، في كل ما ننشره، وبين لحظة التسرع وسرعة النشر، يقف كل واحد منَّا أمام اختبار صامت: هل ما نكتبه يُشبهنا أو يشبه وطنًا نريده، أم مجرد لحظة عابرة لا نُدرك أثرها؟

الأكثر قراءة

z