عُمان.. دبلوماسية السيادة وبناء الجسور الإنسانية بثبات

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

تواصل مسقط نهجها الهادئ: حوارٌ بدل الاستعراض وجسورٌ بدل المتاريس. في زمن الاصطفافات الحادة والرسائل الصاخبة، تختار عُمان طريقًا مختلفًا؛ دبلوماسية هادئة تبني الجسور وتحافظ على خيط الحوار حين تتكاثر المتاريس.

في السياسة ليست كل الرسائل متشابهة. بعض البرقيات تمر كخبر عابر، وبعضها يكشف فلسفة دولة كاملة في إدارة علاقاتها مع العالم. ولهذا لم تكن البرقية التي بعث بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -وفقه الله- إلى آية الله مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى لإيران، مجرد تهنئة بروتوكولية تُحفظ في أرشيف المراسلات؛ بل رسالة هادئة تؤكد أن لعُمان طريقها الخاص في السياسة.. طريق الحكمة وثبات القرار.

هذه المدرسة لم تبدأ اليوم. جذورها تعود إلى اللحظة التي اعتلى فيها السلطان قابوس بن سعيد -رحمه الله- سدة الحكم عام 1970، حين أكد منذ البداية أن عُمان ستبني علاقاتها مع العالم على قاعدة واضحة: لا نتدخل في شؤون الآخرين، ولن نسمح لأحد أن يتدخل في شؤوننا. لم يكن ذلك شعارًا عابرًا؛ بل مبدأ راسخ لدولة مستقلة القرار تمد الجسور مع الجميع دون أن تفرّط في سيادتها.

ومنذ ذلك اليوم اختارت عُمان طريقًا مختلفًا في محيط يميل إلى الاصطفافات الحادة والمواقف الانفعالية. لم تبحث مسقط عن أدوار إعلامية صاخبة، لكنها عملت بهدوء لتكون جسرًا للحوار حين تنقطع الجسور.

ولهذا اكتسبت الدبلوماسية العُمانية احترامًا واسعًا. فالدول المتخاصمة تعرف أن مسقط لا تدخل الوساطة بحثًا عن مكسب سياسي؛ بل لأن استقرار المنطقة يحتاج دائمًا إلى من يحافظ على خيط التواصل عندما تتصاعد الأزمات. كثيرًا ما تحولت عُمان إلى محطة هادئة للمحادثات الصعبة، وإلى نافذة للحوار حين كانت أبواب السياسة مغلقة.

وقد أثبتت عُمان عبر العقود أن استقلال قرارها لم يكن شعارًا؛ بل ممارسة ثابتة. ففي لحظة الانقسام العربي بعد اتفاقية كامب ديفيد سادت موجة المقاطعات والتصعيد، واندفعت المنطقة إلى اصطفافات حادة، لكن مسقط تعاملت بعقل الدولة التي ترى أبعد من اندفاع اللحظة، محافظة على مبدأ راسخ: أن الخلافات مهما اشتدت يجب ألا تغلق أبواب الحوار إلى الأبد.

ولم تكن تلك المحطة سوى بداية لمسار طويل ظهرت فيه ثبات الدبلوماسية العُمانية مقابل تردد كثير من المواقف العربية؛ فعندما اجتاح صدام حسين الكويت عام 1990 انقسم العالم العربي إلى معسكرات متقابلة، ثم عادت معظم العواصم بعد سنوات لتعيد علاقاتها مع العراق. وتكرر المشهد لاحقًا مع ليبيا، ثم مع سوريا حين أغلقت سفارات كثيرة أبوابها قبل أن تعود اليوم إلى دمشق.

والمشهد نفسه تكرر في الخليج؛ ففي عام 2017 اندلعت الأزمة الخليجية حين أعلنت السعودية والإمارات والبحرين، ومعها مصر، مقاطعة قطر لفترة استمرت 4 سنوات. وكانت واحدة من أكثر الأزمات حدّة في تاريخ الخليج الحديث، لكن سلطنة عُمان بقيت على نهجها القويم؛ لا تنخرط في الخصومات ولا تغلق الأبواب بين الأشقاء، محافظة على توازن علاقاتها مع الجميع.

ولهذا حين اشتعلت الحرب في اليمن واندفعت أطراف كثيرة إلى ساحات القتال، اختارت عُمان مرة أخرى موقعها المعتاد: موقع الدولة التي ترى أن إطفاء الحروب أصعب بكثير من إشعالها، وأن الحوار مهما طال يبقى أقل كلفة من المدافع.

غير أن هذا الطريق لم يكن سهلًا؛ فالسياسة الدولية لا تقوم دائمًا على الصراحة، وكثيرًا ما استخدمت بعض القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، طاولات المفاوضات وسيلة لإدارة الوقت أو زيادة الضغط، بينما كانت القرارات الحقيقية تُدار بمنطق القوة لا بمنطق الاتفاق.

ومع ذلك حافظت مسقط على هدوئها، ولم تنجر إلى لعبة المحاور، ولم تسمح أن تتحول وساطتها إلى ورقة في صراع الآخرين. كانت تدرك أن الدبلوماسية الحقيقية تحتاج إلى صبر طويل.

وفي قلب هذا النهج برز دور معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، الذي قاد جولات الحوار بين واشنطن وطهران بهدوء الدبلوماسيين الذين يعرفون أن السلام لا يولد بسهولة في الشرق الأوسط.

كانت مسقط تفتح أبوابها للمفاوضات، وكان الأمل يقترب من تهدئة التوتر. لكن المشهد تكرر أكثر من مرة: مفاوضات تُفتح ثم تتفجر الحرب قبل أن تنضج ثمار الحوار. طاولة حوار تُقام وأمل يتشكل، ثم تأتي الضربات العسكرية لتقوّض ما بُني في قاعات التفاوض.

ومع ذلك بقيت الدبلوماسية العُمانية متمسكة بخيط العقل، وإصرار واضح على أن الحوار هو الطريق الأقل كلفة.

ولعل دروس السنوات الماضية تؤكد أن المنطقة أحوج ما تكون إلى طي صفحات الخلاف ومد الجسور مع دول الجوار المسلمة بما يخدم التفاهم والتعاون والتعاضد، ويقوي الصف في مواجهة العدوان، مستندة إلى ما أمر الله به في كتابه الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 2).

وفي هذا السياق يبرز الحديث عن دول الجوار الإقليمي، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها دولة مسلمة تجمعها مع المنطقة روابط الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة؛ حيث يصبح بناء التفاهم والتنسيق معها خطوة استراتيجية لتعميق الاستقرار الإقليمي وتعزيز التعاون بما يخدم شعوب المنطقة، مع الحفاظ الكامل على سيادة الدول واستقلال قراراتها دون الانجرار وراء أي أطماع أو مشاريع خارجية.

وهكذا تتجلى ملامح المدرسة السياسية العُمانية؛ مدرسة بدأت مع السلطان قابوس بن سعيد – رحمه الله – حين اختار لعُمان طريق الحكمة وبناء الجسور بدل الوقوف على المتاريس.

واليوم يواصل جلالة عاهل البلاد المفدى السلطان هيثم بن طارق -وفقه الله- هذا النهج بثبات هادئ مؤمنًا بأن قوة الدول لا تُقاس بارتفاع الصوت؛ بل بقدرتها على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح.

ولهذا بقيت عُمان مختلفة في محيطها؛ لا تبحث عن الأضواء، لكنها حين تتحرك تُفتح أبواب الحوار.. ويجد المختلفون طريقًا لرأب الصدع والتفاهم.

 

الأكثر قراءة

z