الدورتان السنويتان ترسمان ملامح الصين كقائد تكنولوجي وقطب للاستقرار العالمي

 

تشو شيوان **

خلال هذه الأيام تتجه أنظار العالم بأسره نحو قاعة الشعب الكبرى في بكين، حيث تنعقد "الدورتان السنويتان" (المجلس الوطني لنواب الشعب والمجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي) في لحظة تاريخية مفصلية، وأجدني ككاتب صيني أراقب هذه المشاهد، لا يسعني إلا أن أشعر بعمق المسؤولية والتحول الذي نعيشه؛ فهذه الاجتماعات ليست مجرد طقس سياسي سنوي، بل أصبحت بوصلة تحدد مسار النمو الصيني وسط أمواج دولية متلاطمة، وبرأيي فإن انعقاد الدورتين هذا العام يكتسب أهمية مضاعفة لكونه يدشن رسميًا "الخمسية الخامسة عشرة" (2026-2030)، وهي الخطة التي ستكون الجسر الذي نعبر من خلاله نحو أهداف عام 2035، ومن الملاحظ ان هناك زحمًا استثنائيًا في أروقة الاجتماعات يتجاوز لغة الأرقام المعتادة ليجسد إرادة وطنية صلبة في تعزيز "التحديث صيني النمط" الذي يوازن بين المكتسبات الماضية والتطلعات المستقبلية الكبرى.

إن الموضوع الأبرز الذي يهيمن على نقاشات الدورتين هذا العام، وأراه يتكرر في كل التقارير الرسمية وكلمات المندوبين، هو مفهوم "القوى الإنتاجية النوعية الجديدة"، وهذا المصطلح ليس مجرد شعار سياسي، بل هو الفلسفة الاقتصادية الجديدة التي تتبناها الصين للتحول من النمو الكمي إلى النمو القائم على الابتكار العميق، وبرأيي كصحفي صيني فإن التركيز هذا العام ينصب على كيفية جعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هما المحرك الأساسي للاقتصاد، حيث تسعى الصين من خلال هذه الدورة إلى صياغة عقد اجتماعي واقتصادي جديد يضمن استدامة الرخاء في ظل "الدورة المزدوجة" التي تعزز الطلب المحلي وتفتح أبوابنا للعالم بشكل أكثر ذكاءً وجودة.

أما فيما يخص المستقبل الاقتصادي، فقد كشف تقرير العمل الحكومي الذي استمعنا إليه اليوم عن استهداف معدل نمو يتراوح بين 4.5% و5% لعام 2026، وأجد أن هذا الرقم يعكس واقعية وحكمة القيادة الصينية؛ وبات العالم يدرك أننا نبحث عن نمو "متين" و"أخضر"، وبرأيي، فإن تحديد هذا الهدف في العام الأول من الخمسية الخامسة عشرة يهدف إلى ترك مساحة كافية للإصلاحات الهيكلية وتنشيط الاستهلاك الخاص الذي نعتبره حجر الزاوية في استقرارنا الاقتصادي القادم، فالهدف الآن هو الجودة قبل الكم، والصلابة في مواجهة الصدمات الخارجية قبل السرعة في التوسع.

وفي المسار السياسي، تبرز تصريحات القادة حول تحديث منظومة الحوكمة لتعزيز كفاءة الدولة، وأجد أن التوجه السياسي الحالي يركز بشكل مكثف على "الأمن الوطني" كضمانة للتنمية، وبرأيي، فإن تعزيز سيادة القانون وتعميق الإصلاحات في الجهاز الإداري يعكس رغبة في بناء دولة أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة لتطلعات الشعب، وأرى كصحفي أن هناك تأكيدًا قويًا على وحدة الصف الداخلي والتمسك بالقيادة المركزية، ليس كنهج سياسي فحسب، بل كضرورة استراتيجية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في وقت يشهد فيه العالم اضطرابات جيوسياسية غير مسبوقة، فالسياسة في الصين اليوم هي فن الموازنة بين "الاستقرار" و"التغيير المنضبط".

وبالحديث عن القطاع الصناعي والتكنولوجي، فإنني أشعر بفخر كبير وأنا أرى الصين تضع "الاستقلال التكنولوجي" في قلب خطتها الخمسية الجديدة، وبرأيي، فإن التركيز على أشباه الموصلات، والحوسبة الكمومية، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة الخضراء، هو إعلان صريح بأننا لن نسمح لأي قوة خارجية بتعطيل مسيرتنا التقنية، وأجد أن تصريحات المندوبين تؤكد على تحويل المختبرات إلى أسواق، ودعم الشركات الخاصة المبتكرة لتكون هي الرائدة في قيادة الثورة الصناعية الرابعة، فنحن في الصين لا نكتفي اليوم بكوننا "مصنع العالم"، بل نطمح لأن نكون "مختبر العالم" ومركزه الابتكاري الأول، وهو ما لمسته من خلال النقاشات حول تعزيز سلاسل التوريد الصناعية وجعلها أكثر مرونة ومقاومة للضغوط.

وأخيرًا بالنظر إلى التطلعات المستقبلية وعلاقاتنا بالعالم، أجد أن الصين في عام 2026 تبرز كقوة استقرار ووساطة حكيمة، وبرأيي ككاتب صيني، فإن مبادراتنا الدبلوماسية الأخيرة، مثل الوساطة في الشرق الأوسط التي أعلن عنها وزير الخارجية وانغ يي، تؤكد أننا ننتقل من "المشاركة" إلى "القيادة المسؤولية" في حل النزاعات الدولية، وأجد أن الصين من خلال الدورتين السنتويتين ترسل رسالة واضحة للعالم: نحن منفتحون على التعاون، ومتمسكون بتعددية الأطراف، ونسعى لبناء "مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية"، فمستقبلنا مرتبط باستقرار العالم، وقوتنا هي قوة للسلام والتنمية المشتركة، وليست تهديدًا لأحد، وهذه هي الرؤية التي نحملها ونحن نمضي قدمًا في هذا العقد الحاسم.

** صحفي في مجموعة الصين للإعلام، متخصص بالشؤون الصينية وبقضايا الشرق الأوسط والعلاقات الصينية- العربية

الأكثر قراءة

z