تشو شيوان **
في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تباطؤًا في النمو، وتصاعدًا للحمائية والأحادية، اختتم اجتماع وزراء التجارة لمنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (آبيك) لعام 2026 أعماله في مدينة سوتشو الصينية. وقد أسفر الاجتماع عن إصدار «إعلان سوتشو» واعتماد خارطة طريق جديدة لتطوير قطاع الخدمات، في حزمة من النتائج العملية تمثلت في «إعلان مشترك وخارطة طريق للخدمات»، لتشكل أساسًا مهمًا للقمة غير الرسمية لقادة آبيك المقرر عقدها في مدينة شنتشن نهاية العام، كما بعثت برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ لا تزال متمسكة بالانفتاح والتعاون والدفاع عن التعددية.
ويأتي هذا الاجتماع في لحظة دقيقة يمر بها الاقتصاد العالمي؛ حيث تتسارع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد والتوريد، وتتزايد التداعيات الاقتصادية للتوترات الجيوسياسية، بينما يواجه النظام التجاري الدولي تحديات متصاعدة. كما أن خفض صندوق النقد الدولي لتوقعاته بشأن النمو العالمي يعكس حجم القلق السائد حيال آفاق الاقتصاد الدولي. وفي ظل هذه الظروف، فإن نجاح اقتصادات آبيك الـ21 في التوصل إلى نتائج ملموسة يحمل دلالات خاصة، ويؤكد أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ ما زالت تمثل أكثر مناطق العالم حيوية وقدرة على الحفاظ على زخم التعاون الاقتصادي.
وبصفتها الدولة المضيفة لآبيك هذا العام، أدّت الصين دورًا محوريًا في دفع الاجتماع نحو تحقيق توافقات عملية. فمن الدفاع عن النظام التجاري متعدد الأطراف، إلى تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، ومن دعم انفتاح قطاع الخدمات إلى توسيع التعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، انعكست العديد من المبادرات والمقترحات الصينية في النتائج النهائية للاجتماع. ويعكس ذلك استمرارية النهج الصيني الداعم للاقتصاد العالمي المفتوح، كما يجسد مسؤولية الصين ودورها البناء في تعزيز التعاون الإقليمي.
ومن أبرز ملامح الاجتماع هذا العام منح قضايا الاقتصاد الرقمي والتنمية الخضراء والذكاء الاصطناعي مكانة متقدمة إلى جانب الملفات التجارية التقليدية. فمع تسارع الثورة التكنولوجية والتحولات الصناعية العالمية، باتت اقتصادات المنطقة تدرك أن المنافسة المستقبلية لن تقتصر على حجم التجارة السلعية، بل ستشمل أيضًا القدرة على الابتكار وصياغة القواعد الرقمية وتطوير الصناعات المتقدمة.
وفي هذا السياق، حمل «إعلان سوتشو» رسالة مهمة مفادها أن التعاون الإقليمي في آسيا والمحيط الهادئ ينتقل تدريجيًا من التركيز على التجارة التقليدية إلى نموذج أكثر اعتمادًا على الابتكار والتكنولوجيا. وقد أحرزت الاقتصادات الأعضاء تقدمًا ملموسًا في إطار التعاون الرقمي التجاري، مع التركيز على تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز القدرات التقنية، وتقليص الفجوة الرقمية، بما يضمن استفادة جميع الأطراف، وخاصة الاقتصادات الصغيرة والنامية، من ثمار التحول الرقمي. ويعكس هذا التوجه رؤية أكثر شمولًا وتوازنًا للتنمية الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، شكل اعتماد «خارطة طريق آبيك للخدمات المبتكرة والتنافسية والمرنة» إنجازًا استراتيجيًا آخر؛ إذ ترسم هذه الوثيقة ملامح تطوير قطاع الخدمات في المنطقة خلال العقد المقبل. ويشكل قطاع الخدمات حاليًا نحو ثلثي الناتج الاقتصادي لاقتصادات آبيك، ما يجعله أحد أهم محركات النمو وخلق فرص العمل. ومن المتوقع أن تسهم خارطة الطريق الجديدة في تعزيز الانفتاح والإصلاح والابتكار في هذا القطاع، بما يدعم استدامة النمو الاقتصادي ويرفع من قدرة اقتصادات المنطقة على مواجهة التحديات المستقبلية.
وفي هذا المجال، تمتلك الصين مزايا وفرصًا واسعة للتعاون مع شركائها في المنطقة. فقد شهد الاقتصاد الرقمي الصيني نموًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، كما واصل قطاع الخدمات توسعه وتحسنه النوعي، بالتوازي مع خطوات متواصلة نحو الانفتاح الاقتصادي عالي المستوى. ومن التجارة الإلكترونية العابرة للحدود إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي والخدمات الحديثة، تواصل الصين توفير محركات نمو جديدة للاقتصاد الإقليمي. كما أن تزايد عدد الشركات العالمية التي تختار الصين مركزًا رئيسيًا لاستثماراتها يعكس الثقة الدولية المتنامية في البيئة الابتكارية الصينية وآفاقها المستقبلية.
وعلى امتداد تاريخ آبيك، ظل الانفتاح والتعاون العاملين الأساسيين وراء نجاح المنطقة وتحولها إلى أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي. واليوم، ومع تزايد التحديات الاقتصادية والسياسية على الساحة الدولية، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى تعزيز الحوار والتنسيق وتوسيع مجالات التعاون المشترك، لأن أيًا من الاقتصادات لا يستطيع مواجهة هذه التحديات بمفرده.
ومن «إعلان سوتشو» إلى خارطة الطريق الجديدة للخدمات، حمل اجتماع وزراء التجارة رسالة واضحة مفادها أن اقتصادات آسيا والمحيط الهادئ اختارت التعاون لمواجهة التحديات، والانفتاح لتحقيق التنمية، والابتكار لصناعة المستقبل. وستواصل الصين، بصفتها شريكًا رئيسيًا ومحركًا مهمًا للنمو في المنطقة، العمل مع مختلف الأطراف لتعزيز بناء اقتصاد إقليمي منفتح وشامل، وتوفير المزيد من الاستقرار واليقين للاقتصادين الإقليمي والعالمي.
وفي عالم تتزايد فيه عوامل عدم اليقين، تؤكد نتائج اجتماع سوتشو أن الانفتاح والتعاون ليسا خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة تنموية لا غنى عنها. كما أن مستقبل منطقة آسيا والمحيط الهادئ سيظل مرهونًا بقدرتها على التمسك بالتعددية وتعميق التعاون المشترك وفتح آفاق جديدة للنمو والازدهار.
** كاتب صيني
