صالح الغافري
رمضان ليس مجرد أيام نصوم فيها عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة تربوية تعيد صياغة الإنسان وتغرس فيه القيم التي يحتاجها في حياته اليومية. ففيه يتعلم المسلم الصبر وضبط النفس، ويعيش تجربة الأمانة والصدق، ويذوق معنى التعاون والمشاركة والتكافل، ويهتدي إلى الانضباط والنظام، ويرتقي بروحه إلى الإخلاص والصفاء.
قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة: 183)؛ فالصيام في جوهره تربية على التقوى، والتقوى تجمع كل هذه المعاني في قلب المؤمن.
الصبر يظهر في مواجهة الجوع والعطش، وفي ضبط النفس عن الغضب والمعاصي. وفي الواقع العُماني نرى هذا الصبر في الموظف الذي يواصل عمله رغم طول النهار، وفي السائق الذي يتحمّل الزحام قبيل الإفطار، وفي الطالب الذي يوازن بين دراسته وعبادته دون أن يتذمر. هذه المواقف اليومية تعكس أن رمضان يعلّم الإنسان كيف يسيطر على نفسه ويواجه التحديات بروح من الرضا.
الأمانة والصدق تتجلى في التزام الصائم بما أمر الله به في السر والعلن، وفي صدقه في البيع والشراء. وفي الأسواق العُمانية يظهر ذلك في البائع الذي يصف بضاعته كما هي دون مبالغة، وفي المشتري الذي يؤدي حق البائع بلا مماطلة، ليبقى التعامل قائمًا على "الوفاء" الذي يعتز به الناس هنا.
التعاون والمشاركة والتكافل هي من أبرز صور رمضان في المجتمع العُماني، حيث تمتد موائد الإفطار لتشمل الجيران والمحتاجين، وتنتشر المبادرات الخيرية في المساجد والطرقات، وتحرص الأسر على تبادل الأطباق فيما بينها، كما تشهد القرى والمدن والأندية والفرق الرياضية والكثير من المؤسسات تجمعات تُنظَّم إفطارًا جماعيًا وتشارك في الأعمال الخيرية، فيتجسد بذلك معنى الرحمة والمحبة التي يزرعها الشهر الكريم في النفوس.
أما الانضباط والنظام، فيتجليان في الالتزام بمواقيت الصلاة والإقامة، ثم عند الإفطار والسحور، وفي تنظيم يومهم بين العمل والعبادة. نرى ذلك في الموظف الذي يحرص على الحضور في الوقت المحدد، وفي الطالب الذي يوازن بين دراسته وعبادته، ليكون رمضان فرصة لتعلم قيمة الوقت والانضباط.
وفي العشر الأواخر، يزداد المسلم قربًا من الله بالقيام والذكر والدعاء، فنرى المساجد في عُمان عامرة بالمصلين، والقلوب متوجهة إلى الله بصدق وإخلاص، طلبًا للرحمة والمغفرة. هذه اللحظات الروحية تجعل رمضان محطة لتزكية النفس وإعادة بناء القلب.
وبذلك يغدو رمضان مدرسة تربوية شاملة، يخرج منها المسلم أكثر صبرًا، وأكثر صدقًا وأمانة، وأكثر تعاونًا ومشاركة، وأكثر انضباطًا ونظامًا، وأكثر روحانية وإخلاصًا. نسأل الله أن يجعلنا من الذين يتربون ويتخرجون من هذه المدرسة المباركة، وأن يكتب لنا القبول والرحمة والمغفرة، وأن يُخرجنا من رمضان بقلوب نقية وأرواح طاهرة.
