في رحاب نزوى.. حين يُصاغ المستقبل بمداد الهوية

 

 

 

هلال بن حمود الريامي

 

في السابعِ والعشرين من شهرِ شعبان لعامِ ألفٍ وأربعمائةٍ وسبعةٍ وأربعين للهجرة، الموافق للخامسِ عشرَ من فبراير لعامِ ألفين وستة وعشرين للميلاد، وحينَ كانت شمسُ "نزوى" ـ بيضةِ الإسلامِ وعاصمةِ الروح ـ تنسجُ خيوطها الذهبيةَ لتُعانقَ هامَ السحاب، كنتُ حاضرا في رحابِ جامعتها الغرّاء. لم أكن مجردَ راصدٍ للحدث، بل شاهدا على لحظةٍ تاريخيةٍ التحمت فيها أصالةُ الماضي بطوفانِ الحداثة، تحت شعارٍ تنوءُ بحملهِ العُصبةُ أولو العزم: "الهوية الوطنية في عصر الذكاء الاصطناعي".

استهلّ الجمعُ وقوفهم والقلوبُ وجلة، حينَ صدحت الحناجرُ بالنشيدِ الوطني، فكانت تلك الكلماتُ "أبشري يا عُمان.. والتقي بالسعد" ميثاقا غليظا يُجددُ العهد، وترنيمةً قدسيةً تسري في العروقِ مسرى الدم، تُعلنُ أنَّ عُمانَ راسخةٌ كالجبل، لا تهزها رياحُ التغييرِ العاتية، بل تُطوّعها لخدمةِ أمجادها.

ثم سكنت الضوضاءُ وخشعت الأصوات، ليرتفعَ صوتُ الحقِ بتلاوةٍ قرآنيةٍ ندية، أعادت إلى الأذهانِ زمنَ الشيخِ المنشاوي ـ رحمه الله ـ، بصوتٍ يفيضُ شجناً ويقطرُ عذوبة، فحبسَ الأنفاسَ وأطارَ الألباب. وما إن انقضت التلاوة، حتى حلّقَ بنا فيلمٌ وثائقي عن جامعةِ نزوى، تحليقَ العقابِ الكاسرِ فوقَ القمم، عارضاً التخصصاتِ كأنها أسلحةُ المستقبل، والمبادراتِ كأنها قواربُ النجاة.

ثم اعتلى المنصةَ عميدُ شؤونِ الطلاب، بكلمةٍ لم تكن حروفاً تُلقى، بل كانت سهاما أصابت شغافَ القلوب، مشيدا بالابتكارِ والاستدامة، ومثمّنا الشراكةَ الاستراتيجيةَ بين إدارةِ الأوقافِ بنزوى وجامعةِ نزوى، تلك الشراكة التي أثمرت مشاريعَ تخدمُ الدينَ والدنيا.

وفي لحظةٍ تجلّى فيها سحرُ البيان، عُرضت مرئياتُ الرحالةِ "جو حطاب"، الذي طافَ عُمانَ من رؤوسِ جبالِ مسندم إلى مروجِ ظفار، موثقا جمالا بكرا، امتزجت بقصائدَ باذخةٍ للشاعرِ الأديب يوسف الكمالي، ألقتها إحدى الطالباتِ بصوتٍ شجي، فكان المشهدُ سيمفونيةً بصريةً وسمعيةً، نبشت مكنوناتِ عُمان التي غفلَ عنها الكثيرون.

ثم جاء دورُ وزارةِ الأوقاف، لتضعَ بصمتها الراسخة بإطلاق "هاكاثون الوقف"، وحينَ أطلق راعي الحفلِ الهويةَ البصريةَ لهذا الحدث، كان يعلنُ ميلادَ عهدٍ جديدٍ للوقفِ يخرجُ به من التقليديةِ إلى رحابةِ التقنية. ولأنَّ الأدبَ روحُ الشعوب، فقد شهدنا أوبريت مسرحيا باذخا، قادتهُ إحدى الدكتوراتِ الماجدات، وجسدهُ طلابُ الجامعة، في رحلةٍ بلاغيةٍ سامقةٍ تحدثت عن "نزوى" العريقة بكلماتٍ تُكتبُ بماءِ الذهب.

ولم ينتهِ المشهدُ عندَ حدودِ المنصة؛ فقد كان لي شرفُ مرافقةِ راعي الحفل في جولةٍ ميدانيةٍ بين أروقةِ الجامعةِ ومراكزها البحثية. دلفنا إلى المختبراتِ العلمية، وهناك، وقفتُ مذهولا أمامَ مكبّراتِ الصورةِ الدقيقة (المجاهر) التي تصلُ دقتها إلى مستوى "النانو". تأملتُ تلك الأجهزةَ التي تسبرُ أغوارَ المادة، وهمستُ في نفسي قائلاً: "هذه هي البيئةُ الحقيقيةُ التي يجبُ أن يُلقي فيها المرءُ عصا الترحال، فهنا يُصنعُ المستقبل، وهنا تكمنُ العظمة".

وقد صدقَ راعي الحفلِ حينَ نطقَ بالحقِ الأبلجِ قائلاً: "إنَّ هذه الجامعةَ تختلفُ عن غيرها ممن جعلوا العلمَ تجارةً والشهاداتِ بضاعة؛ فهذه جامعةٌ عريقة، تُعلّمُ العلمَ للعلم، وتبتكرُ للمعرفة، وقد ارتفعَ تصنيفها حتى ناطحَ السحاب، متميزةً عن أقرانها بالجديةِ والرسوخ".

وكان مسكُ الختامِ افتتاح المعرضِ المصاحب، الذي تجلّى فيه التكاتفُ الطلابيُّ في أبهى صوره. سرتُ بين أركانهِ، من ركنِ وزارةِ الأوقافِ إلى مختبراتِ العلومِ وجماعةِ المسرح. غيرَ أنَّ ما استوقفني طويلاً هو ركنُ "مؤسسة معين"، تلك المؤسسةُ الرائدةُ التي لا تبيعُ الكلام، بل تصنعُ الأفعال. وقفتُ أمامَ منجزاتها مذهولاً؛ ففي عامٍ واحد، أنفقت ما يزيد عن ثلاثةٍ وتسعين ألف ريالٍ عماني، دعماً لطلابِ العلم: إسكانًا، وإعاشةً، وتدبرا، وتعلما.

إنَّ هذا المعرض، الذي يمتدُ لأربعةِ أيام، ليس مجردَ طاولاتٍ ومعروضات، بل هو وثيقةٌ حيةٌ على قدرةِ العقلِ العماني. ومن هنا، وبقلمٍ يدركُ قيمةَ الجهد، أدعوكم دعوةَ الناصحِ الأمين: اذهبوا وشاهدوا، فليسَ مَن رأى كمَن سمع، وهناك ستجدون أنَّ عُمانَ بخير، وأنَّ جيلَ الذكاء الاصطناعي لم ينسَ هويته، بل جعلها تاجا فوقَ رؤوسِ الخوارزميات.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z