تشو شيوان **
لم تكد أجواء الاحتفال بعيد الربيع الصيني تتلاشى حتى تستعد بكين لاستقبال ضيف أوروبي بارز آخر. فبعد الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني وغيرهما من الشخصيات الأوروبية، يستعد زعيم أوروبي آخر رفيع المستوى للقيام بزيارة إلى الصين، وأعلنت الصين يوم أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس سيقوم بزيارة رسمية إلى الصين في الفترة من 25 إلى 26 فبراير. وتُعد هذه الزيارة الأولى لميرتس إلى الصين منذ توليه منصبه في مايو الماضي، وقد حظي توقيتها، الذي يتزامن مع بداية السنة الصينية الجديدة (عام الحصان)، باهتمام كبير لما يحمله من دلالات رمزية وتداعيات جوهرية.
وبحسب المعلومات المتوفرة حاليًا، تتضمن جولة المستشار ميرتس العديد من الأنشطة، بما في ذلك زيارته إلى بكين وهانغتشو، ففي بكين سيلتقي بالقيادات الصينية ويحضر ندوة اللجنة الاستشارية الاقتصادية الصينية الألمانية، وتجدر الإشارة إلى أن نحو 30 مسؤولًا تنفيذيًا رفيع المستوى من الشركات الألمانية العملاقة، من بينها شركة "باير"، وفولكس، والبنك التجاري الألماني سيرافقون المستشار أثناء زيارته، ويُعد هذا الوفد التجاري الكبير بحد ذاته بادرة هامة، إذ تُبرز اهتمام الأوساط الاقتصادية الألمانية بالسوق الصينية، كما تُؤكد القوة المتأصلة للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين وألمانيا.
لقد لاحظتُ أن المستشار ميرتس قد أجرى استعدادات دقيقة لهذه الزيارة إلى الصين، وقد أعرب عن نيته لإقامة اتصالات مباشرة وعميقة مع القيادة الصينية خلال زيارته، وشهدت الأشهر الأخيرة جولات عديدة من اللقاءات رفيعة المستوى بين الصين وألمانيا، بدءًا من زيارات وزير المالية ووزير الخارجية الألمانيين إلى الصين، وصولًا إلى اللقاء الودي بين وزير الخارجية الصيني وانغ يي والمستشار ميرتس على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن؛ وقد مهّدت هذه اللقاءات الطريق لهذه الزيارة، ويشير كل هذا إلى أن هذه الزيارة إلى الصين بالغة الأهمية، وتهدف إلى تحديد مسار العلاقات الصينية الألمانية في السنوات المقبلة.
وعندما نتحدث عن هذه الزيارة، فأعتقد أنها في ظل خلفيات متعددة:
أولًا: من منظور العلاقات الثنائية الصينية الألمانية، شهدت العلاقات مع الصين مرحلة تعديل بعد تولي حكومة ميرتس السلطة. فمن جهة، لا يمكن تجاهل حقيقة التكامل الاقتصادي العميق والتكامل الكبير بين البلدين، واستمرت الدعوات لتعميق التعاون مع الصين في التزايد داخل الأوساط الاقتصادية والتجارية الألمانية، ومن جهة أخرى برزت بعض المخاوف والأصوات المتحفظة في ألمانيا وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، وفي هذا السياق بات من الضروري والعاجل توضيح الموقف الاستراتيجي للعلاقات الثنائية وتحديد مسار التعاون من خلال التواصل المباشر على أعلى المستويات، وقد مثّلت هذه الزيارة خطوة حاسمة للجانبين في جهودهما الرامية إلى إزالة أي تدخلات والعودة إلى مسار تعاون عقلاني وعملي.
ثانيًا: من منظور التنمية الألمانية والأوروبية، تواجه حكومة ميرتس تحديات منذ توليها السلطة، بما في ذلك تباطؤ الانتعاش الاقتصادي وعدم استقرار الوضع الدولي. إن رغبة ألمانيا في لعب دورٍ أكبر في الشؤون الأوروبية والعالمية لا تنفصل عن التنسيق والتعاون مع الصين. وسواء أكان الأمر يتعلق بمعالجة تغير المناخ، أو تعزيز الانتعاش الاقتصادي العالمي، أو حل التوترات الإقليمية، فإن المصالح المشتركة بين الصين وألمانيا تفوق بكثير خلافاتهما. وسيكون نجاح هذه الزيارة ما إذا كانت ستجلب فرصا جديدة للاقتصاد الألماني المتعثر، وتضخ طاقة إيجابية في التطور المستقر للعلاقات الصينية الأوروبية.
ثالثًا: من منظور المشهد الدولي المتغير يشهد العالم حاليا تحولات عميقة لم يشهدها منذ قرن، مما أدى إلى تعديلات جوهرية في العلاقات بين القوى الكبرى، وتواجه العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة تحديات جديدة، كما أن النموذج التقليدي للتحالف عبر الأطلسي بات موضع تساؤل، وفي هذا السياق بات تحديد موقع القوى الأوروبية الكبرى وبناء علاقات خارجية مستقلة قضية ملحة وحقيقية، وباعتبارها "محرك" الاقتصاد الأوروبي وعضوًا أساسيًا في الاتحاد الأوروبي، فإن سياسة ألمانيا تجاه الصين ستؤثر بلا شك تأثيرًا كبيرًا على العلاقات الصينية الأوروبية، بل وعلى المشهد العالمي برمته. وتُعد زيارة ميرتس، إلى حد ما، محاولة مهمة من جانب ألمانيا لإعادة النظر في علاقاتها مع الصين وتحديد موقعها في ظل البيئة الدولية الجديدة.
ورغم قصر مدتها، فإن الزيارة المقررة لمدة يومين، حافلة بالاهتمامات، ومحورها الرئيسي بلا شك التواصل الاستراتيجي بين الزعيمين. وأعتقد أن كيفية وضع خطة للعلاقات الصينية الألمانية، التي تمُر بمرحلة حاسمة من التطور، وكيفية تعزيز التنسيق بشأن قضايا عالمية كدعم التعددية وتعزيز التجارة الحرة تجذب أنظار العالم. وباعتبارهما من الاقتصادات العالمية الكبرى والقوى المؤثرة، تقع على عاتق الصين وألمانيا مسؤولية وقدرة على ضخ مزيد من الاستقرار واليقين في عالم مضطرب.
وتتضمن زيارة ميرتس إلى هانغتشو، شركات التكنولوجيا الصينية المتقدمة، مما يُرسل إشارة إيجابية، مفادها أن ألمانيا تأمل في أن تشهد عن كثب التطور الديناميكي للصين في المجالات الناشئة كالاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتسعى إلى توسيع التعاون في هذه المجالات الرائدة. ويُعدّ الوفد الكبير من قادة الأعمال المرافق للمستشار الألماني خير دليل على رغبة البلدين في التعاون في الشؤون الاقتصادية والتجارية. وعلى الرغم من النقاشات الدائرة داخل ألمانيا حول "تقليل المخاطر"، فإن حقيقة استعادة الصين لمكانتها كأكبر شريك تجاري لألمانيا، تُبرهن بوضوح على أن قوة القوانين الاقتصادية ومتطلبات السوق تفوق بكثير أي تلاعب سياسي. ويواجه التعاون الاقتصادي والتجاري الصيني الألماني مرحلة حاسمة من الفرص؛ إذ ينتقل من المجالات التقليدية إلى مسارات جديدة. ومن المتوقع أن تفتح هذه الزيارة فصلًا جديدًا للتعاون في المجالات الناشئة كالتكنولوجيا الخضراء والرقمية.
ومع بداية عام الحصان، تمنح زيارة ميرتس العلاقات الصينية الألمانية بدايةً موفقة بلا شك، مع ذلك ينبغي أن ندرك بواقعية أن التحديات العملية التي تواجه هذه العلاقات لا تزال قائمة. فنظرة ألمانيا إلى الصين تنطوي على رغبة في التعاون وقلق من المنافسة، بل وحتى بعض التحيزات الأيديولوجية. إن كيفية استغلال إمكانات التعاون في ظل المنافسة، وكيفية إدارة الخلافات ضمن إطار التعاون، هي تحديات معاصرة يتعين على الجانبين معالجتها معًا.
زيارة ميرتس إلى الصين تعني أنه بعد قادة بريطانيا وفرنسا، قام قادة "الثلاثة الكبار" في أوروبا بزيارة الصين مؤخرًا، وهذا يحمل دلالة مهمة على الاتجاه العام للعلاقات الصينية الأوروبية، ونتطلع إلى مستقبل مشرق بين الصين وألمانيا في الفترة المقبلة وتقديم مساهمات إيجابية لحفظ السلام والتنمية والاستقرار والازدهار في العالم.
** صحفي في مجموعة الصين للإعلام، متخصص بالشؤون الصينية وبقضايا الشرق الأوسط والعلاقات الصينية- العربية
