خالد بن سالم الغساني
«الغرب الذي عرفناه سابقًا لم يعد موجودًا، والنظام العالمي الذي اعتمدنا عليه ينهار». هكذا قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، وهو اعتراف صادر من قلب المؤسسة التي طالما اعتبرت نفسها وصيةً على العالم. وحين يصدر هذا الإقرار من قمة الهرم الأوروبي، فإن الأمر يتجاوز الخبر العادي ليصبح حقيقة واضحة عن الانهيار السردي الشامل. إنَّها اللحظة التي يسقط فيها الادعاء وتنهار فيها القصة التي اعتمد الغرب عليها في حكم العالم لعقود.
لقد قامت الهيمنة الغربية الحديثة على معادلة مدروسة، تتمثل في القوة المادية الطاغية والمغلَّفة بخطاب أخلاقي يدّعي الكونية. لم تكن الدبابات والأساطيل والثروات كافية، فكان لا بُد من تسويق السيطرة بوصفها رسالة حضارية. حقوق الإنسان والقانون الدولي والديمقراطية، وحرية الشعوب وكرامة الفرد… كلها لم تكن قيمًا بريئة؛ بل أدوات ضبط وهيمنة، استُخدمت لتبرير التدخل، وشرعنة الاحتلال، وترويض العالم باسم التقدم.
غير أن هذه السردية لم تتآكل فجأة؛ بل تعفنت تدريجيًا حين انفصل القول عن الفعل، وحين تحولت القيم إلى أقنعة مؤقتة؛ حيث إن القانون الدولي طُبّق على الضعفاء، وعُطّل أمام الأقوياء، وحقوق الإنسان صارت سلعة سياسية تُمنح وتُسحب حسب الهوية والمصلحة. عند هذه النقطة، انتهى الغرب بوصفه قائدًا أخلاقيًا، وأصبح سلطة قسرية تدير العالم بازدواجية فاضحة، وهنا بالضبط بدأ أفوله الحقيقي، لا حين ضعفت قوته؛ بل حين انكشف زيف مبرراته وطغت غطرسته وطغيانه.
وحين نتحدث عن حتمية هذا الزوال، فإننا لا نشير الى التراجع الجيوسياسي فقط؛ بل الانهيار الأخلاقي والأنثروبولوجي العميق؛ فالحضارات لا تسقط فقط تحت ضربات الخارج؛ بل تنهار حين تخون الأسس التي قامت عليها. لقد بلغ الغرب مرحلة مبتذلة من تمييع القيم؛ حيث لم يعد الخير والشر سوى آراء نسبية، ولم تعد الفطرة الإنسانية مرجعية؛ بل مشكلة يجب تفكيكها. فقد جرى سحق المعايير الأخلاقية باسم "الحرية"، وتدمير الثوابت باسم "التقدم"، وإعادة تعريف الإنسان خارج طبيعته، لا لتحريره؛ بل لتجريده من أي معنى متعالٍ.
في هذا المسار، لم يعد الإنسان كائنًا مكرمًا؛ بل مادة قابلة لإعادة التشكيل. فُككت الأسرة، وشُوّهت الهوية، وفُصل الجنس عن الفطرة، والمعنى عن الغاية، ثم جرى تقنين ذلك عبر تشريعات تُفرض بالقوة الناعمة والخشنة معًا. لم يعد الاعتراض حقًا؛ بل جريمة أخلاقية. ومن يرفض هذا الانقلاب القيمي يُوصم بالتخلف، ويُقصى من المجال العام. وهكذا انحدر الإنسان في الخطاب الغربي من قيمة عليا إلى كائن غرائزي استهلاكي، يُدار باللذة، ويُضبط بالقانون، ويُنزَع عنه أي بعد روحي أو أخلاقي.
وإذا كان هذا هو الوجه القيمي للانهيار، فإن الوجه السياسي أكثر وقاحة. فإعادة إنتاج الاستعمار لم تعد تُدار خلف ستار؛ بل عادت بلا خجل. النموذج الترامبي- بما يحمله من غطرسة فجّة، وعدوانية مفرطة، وقرصنة سياسية واقتصادية- لا يمثل انحرافًا عن الغرب؛ بل لحظة صدق نادرة له. اختطاف رؤساء الدول واستخدام القوة الاقتصادية كسلاح، وابتزاز الحلفاء، وفرض الإملاءات، والتعامل مع الدول بوصفها غنائم أو شركات خاسرة، كل ذلك يعكس جوهر الهيمنة حين تتخلى عن لغتها المزيفة.
في هذا النموذج، لا مكان للقانون ولا للشراكة؛ بل لمنطق السطو السياسي.
العجوز ترامب لم يخترع هذا المسار؛ بل أعاد إنتاجه وممارسته دون مساحيق. ومعه تهاوت أوهام "العالم الحُر"، وتعمّق الشرخ بين أوروبا التي لا تزال تتشبث بخطاب أخلاقي فارغ، وأميركا التي أعلنت صراحة أن العالم ساحة نهب مفتوحة. وهنا تتسارع وتيرة الانهيار، لأن الحضارة التي تعود إلى منطق القرصنة تفقد أي حق أخلاقي في الادعاء بالقيادة.
هذا السقوط القيمي، وهذه القطيعة مع الفطرة، وهذا الارتداد الاستعماري السافر، ليست ظواهر جانبية؛ بل قلب الأزمة. فحضارة تفقد تعريفها للإنسان، وتُعيد إنتاج عنفها التاريخي بلا اعتذار، محكوم عليها بالزوال مهما بلغت قوتها. الحضارة ليست وفرة قوانين ولا فائض حريات مشوهة، إنها منظومة توازن تحفظ الإنسان من نفسه قبل أن تحميه من غيره.
وفي هذا السياق، جاءت غزة كفضيحة حضارية مكتملة الأركان. وهناك انهار الخطاب الغربي أخلاقيًا أمام العالم. لم تعد الكلمات قادرة على إخفاء الدم، ولا المؤسسات قادرة على تبرير الصمت. وللمرة الأولى، انكشف الغرب لا كمدافع عن الإنسان؛ بل كشريك في سحقه. وهذه هي الهزيمة التي لا تُرمم.
لكن أفول الغرب لا يعني ولادة عالم أكثر عدلًا. فما يتشكل اليوم هو عالم أكثر قسوة، وأقل نفاقًا، تُدار فيه الفوضى بوعي، وتُمارس فيه القوة بلا ادعاء. التعددية القطبية القادمة كما توحي بعض ملامحها، لا تحمل مشروعًا أخلاقيًا بديلًا؛ بل صراعًا مفتوحًا على النفوذ.
ومن هنا، فإنَّ السؤال المصيري، هو من يملك القدرة الأخلاقية والفكرية على ألا يتحول إلى نسخة أخرى من غرب جديد؟ فالتاريخ لا يرحم، ولا يمنح الفرص مرتين.
ذلك هو معنى ما بعد الغرب: ليس نهاية مرحلة فقط؛ بل لحظة امتحان حضاري شامل، تتحدد فيها قيمة الأمم بقدرتها على حماية الإنسان، وليس بإتقانها إعادة إنتاج الاستعمار بأدوات ومفاهيم جديدة.
