خالد بن حمد الرواحي
في لحظةٍ عابرة، يقف أحدهم أمام جهاز الصراف الآلي لا ليسحب مالًا، بل ليحسب ما تبقّى بعد الأقساط. الرقم ليس صادمًا، لكنه كافٍ ليعيد ترتيب خطط الأسبوع على مهل. ليست المشكلة دائمًا في حجم الدَّين، بل في أثره الخفي على طريقة عيش الإنسان وتخطيطه لمستقبله.
الديون في أصلها ليست شرًّا مُطلقًا؛ هي أداة مالية تساعد على تحقيق أهداف مشروعة: منزلٌ يؤوي الأسرة، أو تعليمٌ يفتح بابًا جديدًا، أو مشروعٌ يبدأ بخطوة صغيرة. لكن حين تتحوّل الأقساط إلى نمط حياة دائم، يبدأ الدَّين في إعادة تشكيل القرارات اليومية دون أن نشعر، ويتحوّل المستقبل إلى مساحة مؤجَّلة بدل أن يكون أفقًا مفتوحًا.
المشكلة لا تكمن في وجود القروض بحدّ ذاتها، بل في العلاقة النفسية التي تنشأ معها؛ فالدَّين الطويل قد يخلق شعورًا مستمرًا بالضغط، حتى لو بدا الوضع المالي مستقرًا ظاهريًا. ومع الوقت، لا يعود الإنسان يفكّر في التقدّم بقدر ما يفكّر في الحفاظ على التوازن؛ وكأن الحياة أصبحت سلسلة من الالتزامات التي لا تنتهي.
في كثير من الأحيان، لا يكون الأمر نتيجة قرارٍ خاطئ بقدر ما هو نتاج لظروف اقتصادية واجتماعية متشابكة: تكلفة معيشة متزايدة، توقّعات اجتماعية مرتفعة، ورغبة صادقة في توفير حياة أفضل للأسرة. خيارات تبدو منطقية في لحظتها، لكنها قد تتحوّل لاحقًا إلى عبء طويل الأمد.
غير أن الحديث عن الديون لا ينبغي أن يتحوّل إلى لومٍ للأفراد أو اتهامٍ للمؤسسات المالية. فالمصارف تؤدي دورًا مهمًا في تحريك الاقتصاد وتوفير فرص التملّك والاستثمار، كما أن الأفراد يمتلكون حرية اتخاذ قراراتهم وفق ما يرونه مناسبًا. لكن الوعي الحقيقي يبدأ حين نفهم أن القسط الشهري ليس رقمًا فقط، بل قرارًا يمتد أثره إلى جودة الحياة والراحة النفسية.
حين تتراكم الالتزامات، يتغيّر إيقاع الحياة تدريجيًا. قد تؤجَّل فكرة السفر، أو يُعاد النظر في خطط التعليم، أو يصبح الادخار حلمًا بعيدًا بدل أن يكون عادةً مستمرة. والأثر الأعمق شعورٌ خفي بأن الخيارات أصبحت أضيق مما كانت عليه، وأن المستقبل لم يعد مساحةً للتجربة بقدر ما أصبح مساحةً للحسابات الدقيقة.
وربما هنا يظهر السؤال الأهم: كيف نُبقي الدَّين في موقعه الطبيعي كأداة مساعدة، لا كعبءٍ يختصر الحياة في أقساط؟ يبدأ الجواب من إدراك بسيط: ليس كل ما يمكن الحصول عليه اليوم ينبغي أن يُدفع ثمنه غدًا. فالفارق بين الحاجة والرغبة، وبين الاستثمار والاستهلاك، قد يغيّر شكل الرحلة بأكملها.
كما أن بناء ثقافة مالية هادئة داخل الأسرة يخفّف الكثير من الضغوط غير المرئية. حين يتحوّل الحديث عن المال إلى حوارٍ واعٍ لا إلى مصدر قلق، تصبح القرارات أكثر وضوحًا، ويصبح الاستقرار المالي قدرة على إدارة الديون لا غيابها الكامل.
في النهاية، قد لا تكون المشكلة في وجود القروض، بل في أن تتحوّل إلى لغةٍ يومية تحكم كل خطوة. فالحياة أكبر من جدول سداد، والمستقبل أوسع من تاريخ استحقاق. وحين ندرك أن المال وسيلة لا غاية، يمكن أن نستعيد التوازن بين ما نملكه اليوم وما نريد أن نصبح عليه غدًا. لأن الديون قد تساعدنا أحيانًا على التقدّم… لكنها حين تتجاوز حدّها، لا تحلّ الحياة بقدر ما تُؤجّلها.
