حين تهتز الأرض والمجتمعات

 

 

 

عبدالوهاب البلوشي

 

الزلازل لا تبدأ يوم نشعر بها!

حين تهتز الأرض وتتشقق المباني، نعتقد أن الكارثة وُلدت في تلك اللحظة. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. في أعماق الأرض، تتحرك الصفائح الصخرية ببطء شديد، تتراكم الضغوط بينها لسنوات وربما لعقود، دون أن يلحظ الناس شيئًا. يبدو السطح مستقرًا، والحياة تسير بشكل طبيعي. غير أن الطاقة تتجمع بصمت، إلى أن تصل إلى نقطة لا يمكن احتمالها، فيحدث الانكسار… ويقع الزلزال.

هذا القانون الطبيعي- التراكم ثم الانفجار- لا يخص الجيولوجيا وحدها. إنه يتكرر في حياة المجتمعات أيضًا؛ فالمجتمعات، مثل الأرض، لها سطح وباطن. السطح هو ما نراه يوميًا: مؤسسات، وظائف، خطط تنموية، خطابات رسمية، أرقام نمو. أما الباطن فهو مشاعر الناس: إحساسهم بالعدالة أو الظلم، بالكرامة أو الإهانة، بالأمل أو الإحباط. وهذا الباطن هو الذي يحدد في النهاية مدى صلابة الاستقرار.

الظلم لا يصنع ثورة في يوم واحد. والفقر لا يتحول إلى غضب جماعي بين ليلة وضحاها. ما يحدث غالبًا هو تراكم بطيء: فرص تضيع، فجوات تتسع، قرارات تُشعر فئات بأنها مهمّشة، أو أن صوتها غير مسموع. في الظاهر قد يبدو كل شيء هادئًا، لكن في العمق تتشكل شقوق صغيرة، ومع الوقت تتحول إلى صدوع واسعة.

وحين يصل الضغط إلى حدّه الأقصى، يصبح الانفجار نتيجة طبيعية.

التاريخ مليء بالأمثلة. الثورة الفرنسية لم تكن مجرد احتجاج على ارتفاع أسعار الخبز، بل كانت حصيلة قرون من التفاوت الطبقي والشعور بالحرمان. والثورة البلشفية في روسيا لم تنفجر فجأة، بل سبقتها سنوات طويلة من الفقر والاستبداد والاحتقان الاجتماعي. وفي إيران عام 1979، بدا النظام مستقرًا وقويًا، لكن الغضب المتراكم في المجتمع كان أقوى من المظاهر. وكذلك شهد العالم العربي في العقد الماضي موجات احتجاج واسعة لم تكن حدثًا عابرًا، بل تعبيرًا عن تراكم طويل من الإحباطات.

المغزى هنا ليس تمجيد الثورات أو تبرير الفوضى، بل فهم القانون الذي يحكم حركة المجتمعات. فالقمع قد يؤجل الانفجار، لكنه لا يلغي أسبابه. وتجاهل المشكلات قد يخلق هدوءًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع استقرارًا دائمًا.

الاستقرار الحقيقي لا يُقاس بغياب الصوت، بل بوجود العدالة. ولا يتحقق بإسكات التذمر، بل بمعالجة أسبابه. المجتمع المتوازن ليس مجتمعًا بلا اختلاف أو مطالب، بل مجتمع توجد فيه قنوات واضحة للتعبير، ومؤسسات تستجيب، وشعور عام بأن الفرص متاحة بعدل.

حين يشعر الناس أن النظام يعمل لصالحهم، تتحول طاقتهم إلى بناء وإبداع. أما حين يشعرون بالعجز وفقدان الأمل، فإن الطاقة نفسها قد تتحول إلى غضب.

الفرق بين المجتمع المستقر والمجتمع المُعرَّض للهزات ليس في حجم الضغوط، فكل المجتمعات تواجه تحديات اقتصادية وسياسية؛ بل في طريقة إدارة هذه الضغوط. هل تُعالج مبكرًا؟ هل يُفتح المجال للحوار؟ هل توجد آليات تصحيح حقيقية؟ أم يُكتفى بالمظاهر وبتأجيل المواجهة؟

التجربة الإنسانية تقول إن الوقاية أقل كلفة من العلاج، وأن الإصلاح المبكر أقل ألمًا من الانفجار المتأخر.

في علم الزلازل، لا يمكن منع حركة الصفائح الأرضية، لكن يمكن تقليل الخسائر عبر البناء المقاوم وإدارة المخاطر. وبالمثل، لا يمكن إلغاء التحديات الاجتماعية أو إيقاف حركة المطالب، لكن يمكن احتواؤها عبر سياسات عادلة، وشفافية، ومشاركة حقيقية.

السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: كيف نمنع الاحتجاج؟ بل: كيف نمنع تراكم أسبابه؟

الضغط الذي يجد منفذًا قانونيًا ومؤسسيًا للتعبير يتحول إلى إصلاح تدريجي. أما الضغط الذي يُحبس طويلًا، فإنه يبحث عن مخرج آخر.

وهنا يكمن الفرق بين الاستقرار الظاهري والاستقرار الحقيقي. الأول قد يستمر سنوات، لكنه هشّ من الداخل. أما الثاني فيقوم على توازن عميق بين السلطة والمجتمع، بين الحقوق والواجبات، بين التنمية والعدالة.

الأرض لا تصرخ قبل أن تهتز. وكذلك المجتمعات لا تنفجر دون مقدمات.

وكلما فهمنا قانون التراكم مُبكرًا، استطعنا أن نحوّل الطاقة الكامنة في المجتمعات من قوة هدم إلى قوة بناء.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z