نقل بلا معنى

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في كثيرٍ من المؤسسات، يُقدَّم النقل الوظيفي بوصفه خطوةً نحو التطوير وتوسيع الخبرات. لكن السؤال الذي لا يُطرح دائمًا هو: متى يتحوّل النقل من فرصةٍ للنمو إلى عبءٍ يُرهق الموظف ويستنزف المؤسسة معًا؟ فحين يُنقَل المتخصص إلى مجالٍ بعيدٍ عن خبرته دون تمهيدٍ كافٍ أو مبررٍ إستراتيجي، لا يبدو الأمر تطويرًا بقدر ما يبدو إعادة توزيعٍ للطاقات بلا رؤيةٍ حقيقية. والأصعب أن يُطلب منه النجاح فورًا، وكأن سنوات الخبرة التي حملها سابقًا لم تعد تعني شيئًا.

إذا كان بإمكان أي شخص أن يعمل في أي موقع، فلماذا نستثمر أصلًا في بناء التخصصات؟ ولماذا نتحدث عن الجدارات والمسارات المهنية إذا كان الانتقال بينها يتم دون إعدادٍ حقيقي؟ فالنقل غير المدروس لا يكشف قدرات الموظف بقدر ما يعكس طريقة المؤسسة في التفكير. وقد تكتشف بعض البيئات- بعد فوات الوقت- أنها لم تصنع كفاءةً جديدة، بل أضعفت خبيرًا كان يترك أثرًا حقيقيًا.

ولا تكمن المشكلة في مبدأ النقل ذاته؛ فالحركة الوظيفية قد تكون أحيانًا ضرورةً لتجديد الرؤية وكسر الجمود، لكنها تحتاج إلى وضوحٍ في الهدف قبل التنفيذ. فالتطوير الحقيقي لا يبدأ بتغيير الموقع، بل بفهم ما الذي نضيفه إلى المسار المهني، وكيف تبقى الخبرة السابقة جزءًا من القيمة الجديدة بدل أن تتلاشى بصمت.

في بعض البيئات، يُنظر إلى التخصص وكأنه قابل للاستبدال بسهولة، وكأن الخبرة لسنواتٌ يمكن إعادة ضبطها بقرارٍ إداري واحد. غير أن التخصص ليس مجرد مهارةٍ تقنية، بل فهمٌ يتراكم عبر التجربة والسياق التنظيمي. وعندما يُفصل الموظف فجأة عن هذا السياق، لا يخسر استقراره المهني وحده، بل تخسر المؤسسة جزءًا من ذاكرتها العملية التي لا تُقاس بالوصف الوظيفي فقط.

ولعل التحدي الأكبر لا يظهر في لحظة القرار نفسها، بل في الطريقة التي تُدار بها التوقعات بعده. فحين يُنقَل الموظف إلى مجالٍ جديد دون تمهيدٍ كافٍ، ثم يُطالَب بإثبات نجاحٍ سريع، يتحول النقل من فرصةٍ للتعلّم إلى اختبارٍ خفيٍّ للثقة بالنفس. هنا لا تُقاس الكفاءة بما يملكه الإنسان من خبرة، بل بقدرته على تجاوز ارتباكه الأولي؛ وهو أمر قد يبدو بسيطًا من الخارج، لكنه يترك أثرًا داخليًا لا تُظهره التقارير.

المؤسسات التي تنجح في إدارة النقل بوعيٍ لا تنظر إليه كحركةٍ تنظيمية فقط، بل كمسارٍ مهني يحتاج إلى تدرّجٍ وإسناد. فهي تسبق القرار بحوارٍ واضح، وتربطه بهدفٍ مفهوم، وتمنح الموظف مساحةً للانتقال التدريجي بدل القفز المفاجئ. عندها يصبح النقل إضافةً حقيقية للخبرة، لا مجرد تغييرٍ في مسمّى وظيفي.

وفي المقابل، قد تقع بعض البيئات- بحسن نية- في الخلط بين المرونة التنظيمية والعشوائية المهنية. فالمرونة لا تعني أن كل موقع يصلح لكل شخص في أي وقت، بل تعني توظيف الطاقات في المكان الذي يُعزّز أثرها. وعندما يغيب هذا التوازن، يتسلّل الأثر بهدوء على هيئة تراجعٍ في الحافز أو شعورٍ خفي بأن الجهد السابق لم يعد جزءًا من الحكاية. يشبه الأمر موظفًا يُطلب منه أن يبدأ من الصفر في ممرٍ جديد، بينما ينطفئ الضوء خلفه على كل ما بناه في الممر الذي أتقنه.

 

وربما لا تحتاج المؤسسات إلى إعادة النظر في قرارات النقل بقدر حاجتها إلى إعادة تعريف فلسفتها حول التخصص. فالتخصص ليس قيدًا على الحركة، بل قاعدةٌ تُبنى عليها المسارات. وكلما كان الانتقال قائمًا على فهمٍ أعمق لهذه القاعدة، تحوّل إلى تجربةٍ توسّع الأفق بدل أن تُربك الاتجاه.

وفي النهاية، لا تُقاس عدالة القرار الإداري بقدرته على إحداث التغيير فقط، بل بقدرته على الحفاظ على القيمة المهنية لمن يشملهم. فالموظف ليس صفحةً جديدة تُكتب كلما تغيّر موقعه، بل قصةٌ تراكمت فصولها عبر الزمن. وحين تُدار هذه القصة بوعيٍ واحترام لمسارها، يصبح النقل خطوةً نحو النضج المؤسسي، لا مجرد انتقالٍ بين المكاتب. فحين تُنقِل موظفًا بلا رؤية، قد لا تُغيّر موقعه فقط؛ بل تُطفئ أثره.

 

الأكثر قراءة

z