لتعارفوا

 

 

 

عائض الأحمد

ليس من الحكمة، أو هكذا أظن، أن أرفع صوتي فوق فوهة بركانٍ يعصف باليابس قبل أن يحرق الأخضر.

لكنها تأملاتٌ إنسانية، تولد في أحلك الأوقات وأشدّها قسوة، تساؤلاتٌ تدور في دوائر مغلقة؛ لا تُسمع، ولا تُرى.

أفكّر… كيف انقلب المعنى؟

خُلقنا لنتعارف، لا لنتناحر. لنتقارب، لا لنتقاسم الخراب. جُعل اختلافنا جسرًا، فحوّلناه متراسًا. وجُعلت الحدود علاماتٍ نهتدي بها، فجعلناها خنادق نختبئ خلفها.

وأجزم أن من يشعل حربًا، ثم يقف على أطلالها، لن يجد وقتًا ليتأمّل مآلات ما أشعل؛ فهو لا يرى في الأرض إلا مساحة نفوذ، ولا يسمع في السماء إلا صدى قوته، حتى إذا هدأ الغبار… اكتشف أن الصدى كان فراغًا، وأن الخراب لا يتعرّف إلى أحد.

"لتعارفوا"… كلمةٌ قصيرة، لكنها أطول من كل حرب، وأبقى من كل انتصارٍ عابر.

يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

هكذا يأتي الهدى السماوي واضحًا كالشمس؛ لا ليمنح أحدًا وصايةً على الأرض، ولا ليُسوّغ لأحدٍ أن يُفسد فيها، ولا ليجعل عِزّة أهلها ذلًّا باسم المجد.

فأيُّ فهمٍ ذاك الذي يحمل الشمس في يد، وفي الأخرى القمر، ثم يُطفئ نور الناس؟

وأيُّ عظمةٍ تُطلب على أنقاض بشرٍ خُلقوا ليتعارفوا لا ليتقاتلوا؟

إن التعارف اعترافٌ بالإنسان قبل انتمائه، وبالقيمة قبل الراية، وبالرحمة قبل الغلبة.

فإذا غاب التعارف… حضرت الوحشة، وإذا حضرت الوحشة… استُبيح كل شيء.

ويبقى النصّ السماوي ثابتًا،

ونبقى نحن بين أن نرتفع به… أو نهبط بتأويلنا.

ولن تجد ما هو أقسى من طغيان البشر حين تعمى القلوب؛ قلّةٌ تكتفي بما أُنعِم عليها، وكثرةٌ تنظر إلى ما في أيدي غيرها بعينٍ لا تشبع.

حتى الحيوان، على فطرته، لا يفترس إلا إذا جاع، أما الإنسان، فإذا جاع إلى سلطةٍ أو مجدٍ أو تفوّق، فقد يلتهم أهله، ويزجّ بأبناء جلدته في أتون أفكاره، ثم يقف، بعد أن يهدأ الرماد، يسأل: أين ذهب التعارف؟ وأين غابت الرحمة؟

لها: أعلم يقينًا أن فوات الأوان، في حضرة الإنسانية، لا يساوي صرخة ألمٍ طالت روحًا عُبث بها، ولم يكن لها في ذلك شأنٌ ولا إرادة.

شيءٌ من ذاته: لم يعد لك مكان هنا؛ فالأرض لا تتّسع للجبن حين يلبس ثوب البطولة.

إمّا أن تكون إنسانًا يرقى بإنسانيته، وإمّا أن تسقط من ذاكرة الأرض قبل أن تسقط عليها.

نقد: تعجُّ مستنقعات العفن السياسي بوجوهٍ تتقن الضجيج، وتسوق لحصادٍ لم يزرعه الشرفاء، ثم تتقاسم الغلّة فوق أرضٍ لم تُسقَ إلا بدم الأبرياء.

الأكثر قراءة

z