◄ البلوشي: التصعيد بالمنطقة يضغط على حركة التجارة وتكاليف الشحن مع توقعات بزيادة التضخم العالمي بنسبة 0.8%
◄ العامري: الاقتصادات الخليجية لم تعد رهينة للتقلبات
◄ الشركات العالمية تعيد تقييم سلاسل الإمداد وتبحث عن ممرات أكثر أمانا
◄ الموانئ العمانية لديها فرصة للتحول إلى بوابات بديلة للتجارة العالمية خارج مضيق هرمز
الرؤية- ريم الحامدية
أكد مختصون اقتصاديون أن التوترات الجيوسياسية والعسكرية في المنطقة تمثل اختباراً حقيقياً لمرونة الاقتصادات الإقليمية، وأن الاضطراب في الممرات الملاحية الحيوية انعكس فورا على حركة التجارة العالمية وأسعار السلع والطاقة، مرجحين أن اقتصادات الخليج تمتلك أدوات فعالة للتعامل مع هذه التحديات والحفاظ على استقرار الأسواق.
وأوضح المختصون في تصريحات لـ"الرؤية" أن تأثير هذه التوترات يتجاوز قطاع الطاقة ليطال حركة الشحن البحري وخطوط الملاحة الدولية، حيث أدى ارتفاع مخاطر الملاحة إلى زيادة أقساط التأمين وتكاليف النقل، مما يرفع تكلفة السلع النهائية ويرفع معدلات التضخم. وأضافوا أن الاقتصادات الخليجية، بفضل دعمها الحكومي للسلع الأساسية والمخزونات الاستراتيجية والسياسات النقدية المتناغمة مع البنوك المركزية العالمية، قادرة -فيما يبدو- على امتصاص الصدمات الجزئية والحفاظ على استقرار الأسواق.
وقال الدكتور يوسف البلوشي -خبير اقتصادي- إنه في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والعسكرية في المنطقة، يجب النظر بعين التقييم إلى آفاق الاقتصادات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة، موضحا أن الشرق الأوسط يمثل مركزاً حيوياً للطاقة والتجارة العالمية، وأن الاضطرابات في ممراته البحرية تنعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.

وأضاف: "يمر عبر مضيق هرمز يوميا نحو 20.9 مليون برميل نفط أي ما يقارب 20–30% من الاستهلاك العالمي، وإغلاقه يعني صدمة فورية في الإمدادات وأن اعتماد قطر كأكبر مصدر للغاز المسال عالميا على هذا المضيق أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنحو 50% لتصل إلى 60 يورو لكل ميجاوات ساعة، ونتيجة لهذه التطورات، ارتفعت أسعار النفط، إذ وصل خام برنت إلى نحو 95 دولاراً للبرميل، مع توقعات بإمكانية بلوغه 100 دولار إذا طال أمد الحرب، أضف إلى ذلك تأثر حركة الملاحة حيث تراجعت حركة السفن عبر المضيق بنسبة 70% منذ 2 مارس مع انتظار أكثر من 150 ناقلة نفط عملاقة خارج المضيق والعدد قابل للزيادة خلال الفترة المقبلة".
وبيّن البلوشي أن التصعيد العسكري أدى أيضاً إلى إلغاء آلاف الرحلات الجوية وارتفاع تأخير الحاويات في موانئ مثل جبل علي إلى نحو 75%، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري بنسبة 50%، واضطرت شركات شحن كبرى مثل Maersk إلى تحويل مساراتها، ما يضيف نحو 10 أيام إضافية لرحلات الشحن ويرفع التكاليف اللوجستية العالمية، لافتا إلى أن قطاع الشحن البحري شهد صدمة مباشرة، حيث ارتفعت أقساط التأمين البحري (War Risk Premiums) من نحو 0.2% إلى 0.5% أو أكثر من قيمة السفينة خلال أيام، ما يضيف 200 إلى 500 ألف دولار للرحلة الواحدة، كما ألغت بعض شركات التأمين الكبرى مثل لويدز لندن التغطية للسفن العابرة قرب مضيق هرمز، ما أدى إلى تباطؤ حركة الشحن.
وذكر الخبير الاقتصادي أن أسعار شحن الحاويات ارتفعت بنسبة 15% إلى 25% نتيجة تحويل المسارات عبر رأس الرجاء الصالح، ما يضيف نحو أسبوعين لزمن الرحلة وتكاليف وقود أعلى، وكل هذه التكاليف تنتقل إلى المستهلك النهائي، مع توقع ارتفاع أسعار السلع الغذائية والمستوردة بنحو 10% خلال الأسابيع المقبلة، وفي حال وصول سعر النفط إلى 100 دولار للبرميل فقد يرتفع التضخم العالمي بنحو 0.8%، بينما قد تواجه بعض اقتصادات المنطقة ضغوطا تضخمية تتجاوز 5%.
ويرى البلوشي أنه في المقابل تمتلك اقتصادات الخليج أدوات للاحتواء مثل الفوائض النفطية (مع أسعار تجاوزت 100 دولار للبرميل) ودعم السلع الأساسية والمخزونات الغذائية الاستراتيجية، كما توفر بدائل لوجستية مثل خطوط الأنابيب وميناء الفجيرة الذي يمكن من خلاله نقل 30–40% من الصادرات النفطية بعيدا عن مضيق هرمز، كما تبرز الموانئ العُمانية مثل الدقم وصلالة كمراكز ترانزيت بديلة خارج المضيق، حيث استقبل ميناء صلالة 57 شحنة معاد توجيهها في 4 مارس، إلى جانب أن الأسواق تعوّل على الدور الدبلوماسي العُماني لخفض التوترات، إذ إن أي تهدئة قد تخفض أسعار النفط بنحو 5 إلى 10 دولارات مع تراجع علاوة المخاطر.
وفي مجال الطاقة، قال البلوشي إن تأثير استمرار أو اتساع رقعة الصراع على أسعار النفط والغاز سيكون كبيرا، وإن الاقتصاد العالمي حاليا في حالة "انتظار وقلق"، وأن مفتاح الحل يكمن في "عامل الوقت"؛ فإذا انتهت الأزمة خلال 4 أسابيع، سيمتص السوق الصدمة، أما إذا طال أمدها، فقد يدخل العالم في أزمة مالية عالمية تشبه في حدتها أزمة 2008، مبينا أن الأسواق المالية الخليجية شهدت تقلبات حادة مع تصاعد الحرب، حيث تراجعت مؤشرات مثل السوق السعودي وسوق دبي بنحو 3% إلى 5% في جلسة واحدة، وأن المستثمرون بدأوا بالابتعاد عن قطاعات السياحة والطيران والتوجه نحو قطاعات أكثر أمانًا مثل الطاقة والدفاع، مع ارتفاع الطلب على الذهب والدولار كملاذات آمنة.
وذكر أنه في بورصة مسقط تراجعت أسهم الطيران والسياحة بنحو 4% إلى 7%، بينما ارتفعت أسهم الشركات اللوجستية والموانئ مع توقع تحول عُمان إلى منفذ تجاري بديل في المنطقة، وفي المقابل، يمتلك البنك المركزي العُماني أدوات للحفاظ على الاستقرار المالي، مستفيدًا من ارتفاع أسعار النفط لما يتجاوز 100 دولار للبرميل -وفقا لآخر جلسات التداول- ودعم الاحتياطيات الأجنبية.
وأكد أن ارتباط الريال العُماني بالدولار يعزز استقرار العملة ويحد من المضاربات، لكن قد يتم رفع أسعار الفائدة إذا رفعها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لمواجهة التضخم، كما أن ارتفاع الدولار قد يدعم القوة الشرائية للريال أمام عملات مثل اليورو والين، ما يساعد جزئيًا في تخفيف أثر ارتفاع الأسعار رغم استمرار ضغوط تكاليف الشحن والنقل.
وفيما يتعلق بسلاسل الإمداد، أوضح البلوشي أن التوترات الجيوسياسية تدفع العديد من الشركات العالمية إلى إعادة تقييم مواقع سلاسل الإمداد بحثًا عن ممرات أكثر أمانًا واستقرارًا، وأنه بدلا من الاعتماد على مسار واحد تتجه الشركات إلى تنويع الممرات اللوجستية وتقليل المخاطر الجيوسياسية ضمن ما يسمى بإعادة تشكيل سلاسل التوريد، وفي هذا السياق، قد تستفيد بعض دول المنطقة، خصوصًا الدول التي تمتلك موانئ وبنية لوجستية خارج مناطق التوتر المباشر، مضيفا أن سلطنة عُمان تبرز كمستفيد محتمل، حيث يمكن لموانئ مثل الدقم وصلالة أن تتحول إلى بوابات بديلة للتجارة العالمية خارج مضيق هرمز، وفي المقابل، يبقى عامل الاستقرار الأمني والسياسي حاسمًا؛ فالمستثمر طويل الأمد قد يرى فرصًا في البنية الأساسية القوية في الخليج، بينما قد يتردد المستثمر قصير الأجل بسبب ارتفاع المخاطر.
وفيما يتعلق بتأثير ذلك على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ومعدلات النمو وفرص العمل خلال العامين القادمين، أشار الخبير الاقتصادي إلى أنه في ظل التوترات الحالية، لم يعد المستثمر يسأل كم سأربح؟ بل كيف أضمن استمرارية العمليات؟، ما قد يؤدي إلى تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات السياحية والاستهلاكية بنسبة 10–15% إذا طال أمد الصراع، كما أنه في المقابل، قد تشهد قطاعات الدفاع والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية الآمنة زيادة في الاستثمارات.
وأكد البلوشي أن سوق العمل في المنطقة يمر بمرحلة تحول؛ إذ قد تتأثر قطاعات مثل السياحة والطيران والطاقة الكثيفة بتباطؤ التوظيف أو تجميد بعض الوظائف، بالمقابل، في حين تبرز قطاعات جديدة صاعدة مثل الأمن السيبراني، والخدمات اللوجستية خارج مضيق هرمز، والهيدروجين الأخضر، وفي سلطنة عُمان، يُتوقع أن تسهم مشاريع اللوجستيات في الدقم ومشاريع الهيدروجين في خلق فرص عمل جديدة تعوض أي تراجع محتمل في القطاعات التقليدية.
من جانبه، قال الدكتور خالد بن سعيد العامري، رئيس مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية العمانية: "إننا نراقب عن كثب المشهد الجيوسياسي في المنطقة، ونؤكد أن الاقتصادات الإقليمية اليوم تمر بمرحلة اختبار المرونة، إذ إن اضطراب المرور عبر مضيق هرمز أو باب المندب يمثل تحدياً ليس فقط للمنطقة، بل لمنظومة التجارة العالمية ككل، ورغم الضغوط نتوقع استمرار النمو في القطاعات غير النفطية، لكن وتيرة هذا النمو قد تشهد حذرا بانتظار استقرار الأوضاع الملاحية التي تعد شريان الحياة لعمليات التصدير والاستيراد".

وبيّن العامري أن المنطقة تقف أمام ضغوط متزايدة؛ فارتفاع مخاطر الملاحة يترجم فوراً إلى زيادة في أقساط التأمين البحري وتكاليف الشحن، وهذه الزيادات قد ترفع تكلفة السلع النهائية، مما يشكل ضغطاً على مؤشر أسعار المستهلك، لافتا إلى أن دول المجلس تمتلك أدوات فعالة تشمل الدعم الحكومي للسلع الأساسية، والسياسات النقدية المتناغمة مع البنوك المركزية العالمية لحماية القوة الشرائية، بالإضافة إلى المخزونات الاستراتيجية التي تم بناؤها وتطويرها منذ جائحة كورونا.
وذكر أن سوق الطاقة هو الأكثر حساسية للتوترات الجيوسياسية، وأن أي اتساع للصراع سيؤدي حتماً إلى "علاوة مخاطر" ترفع الأسعار، مضيفا: "مع ذلك، فإن دولنا تلتزم بدورها كمزود طاقة موثوق عالمياً عبر (أوبك+)، وقد كسر سعر نفط عُمان يوم الجمعة حاجز الـ100 دولار أمريكي ليبلغ تسليم شهر مايو القادم 100 دولار أمريكيّ و 31 سنتًا، والارتفاع في المداخيل النفطية يعزز الفوائض، لكن استراتيجيتنا الخليجية الحالية لم تعد تعتمد على رد الفعل اللحظي؛ بل نلتزم بإنفاق مالي منضبط يدعم المشاريع الكبرى دون الإخلال بالاستدامة المالية طويلة الأمد".
وأضاف أنه من الطبيعي أن تشهد أسواق العمال حالة تذبذب نتيجة حالة "عدم اليقين"، وقد تحدث تقلبات حادة، لكن عمق الأسواق المالية الخليجية زاد بشكل كبير بفضل الإدراجات القوية وتدفق الاستثمارات المؤسسية، مؤكدا أن البنوك المركزية الخليجية تتمتع بسيولة عالية وقدرة فائقة على التدخل عبر أدوات السوق المفتوحة لضمان استقرار العملات المربوطة غالباً بالدولار، وضمان تدفق السيولة للقطاع الخاص.
وبيّن العامري أن الأزمات تعمل كمحفز للشركات العالمية لإعادة التفكير في سلاسل التوريد، وبفضل البنية التحتية اللوجستية المتطورة في دول مجلس التعاون تتحول المنطقة إلى مركز لوجستي بديل وآمن لربط الشرق بالغرب، كما أن الاقتصاد الخليجي اليوم لم يعد رهينة للتقلبات كما في السابق، بل أصبح لاعباً يصيغ الحلول ويقود الاستقرار في منطقة مضطربة.
