عبيدلي العبيدلي **
لا جدال في أن العلاقة بين المرأة والاقتصاد البرتقالي ليست مجرد علاقة مشاركة مهنية، بل هي علاقة تشكل متبادل بين هوية المجتمع ومستقبله الاقتصادي، تتجلى بأوضح صورها في دول الخليج حيث يتجاور الثراء الثقافي العميق مع التحول الرقمي السريع، ورؤى تنويع اقتصادي تسعى أن تجعل الإبداع رافعة للنمو لا ترفًا هامشيًا. في هذا السياق، تصبح المرأة الخليجية قياسًا حساسًا لمدى جدّية هذه التحولات: فما لم يُترجم الاقتصاد البرتقالي إلى فرص ملموسة وتمكين حقيقي للنساء، سيبقى جزءًا من الخطاب أكثر منه جزءًا من الواقع.
تحاول هذه المقالة أن ترسم، بأكبر قدر ممكن من الشمول والموضوعية، خريطة هذه العلاقة المركّبة بين المرأة الخليجية والاقتصاد البرتقالي، عبر تفكيك أضلاعها الأربعة: السلبيات التي تكشف مناطق الخلل، والإيجابيات التي تبرز مكامن القوة، والتحديات البنيوية التي تعيق توظيف الإبداع كأداة تمكين، والفرص الاستراتيجية التي يتيحها هذا الاقتصاد الجديد أمام المرأة الخليجية. وستعتمد المقالة في ذلك على ما توافر من بيانات كمية، وتقارير سياساتية، وحالات عملية من الصناعات الثقافية والإبداعية في دول مجلس التعاون، تمهيدًا للوصول إلى رؤية استشرافية مدعومة بالأدلة حول مستقبل هذه العلاقة وكيف يمكن تحويلها من حضور متزايد إلى تأثير محسوب ومُقاس.
السلبيات: وجه العملة الذي لا يُرى دائمًا
رغم الحضور القوي للمرأة الخليجية في التعليم العالي وفي ميادين الإعلام والتسويق والتصميم والفنون، ما زالت هناك فجوة واضحة بين حجم إسهامها الفعلي في الإنتاج الإبداعي وبين الاعتراف الاقتصادي والمؤسسي بهذا الإسهام. وتشير دراسات عن قطاع الاتصال والإبداع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى أن النساء يشكّلن نسبة كبيرة من "خط المواجهة الإبداعي"، إن جاز القول، (كتابة المحتوى، التصميم، إدارة الحملات، الإنتاج)، لكنهن لا يتجاوزن تقريبًا ثلث المناصب القيادية العليا في الوكالات والشركات.
هذا التمثيل غير العادل في القيادة يعني أن المرأة، رغم حضورها الكثيف في صنع الرسائل والصور والقصص، لا تزال أقل تأثيرًا في قرارات الاستثمار، وتحديد أولويات المشاريع، وتصميم السياسات المؤسسية في الاقتصاد البرتقالي. فوق ذلك، لا تزال الأعمال الإبداعية التي تقودها النساء، وعلى وجه الخصوص المشاريع الصغيرة المنزلية أو عبر المنصات الرقمية، التي تُصنَّف نسبة عالية منها، اجتماعيًا واقتصاديًا على أنها "دخل ثانوي" أو "هواية"، لا كأصول إنتاجية حقيقية ضمن منظومة الناتج المحلي غير النفطي.
ومن السلبيات أيضًا هشاشة البنية المالية والقانونية المحيطة بالكثير من المشروعات الإبداعية النسائية. فالوصول إلى التمويل المخاطر أو القروض الميسرة ما زال صعبًا، خصوصًا للمشروعات المبكرة في مجالات مثل صناعة الألعاب، الإنتاج الرقمي المستقل، أو المنصات الثقافية الناشئة. إضافة إلى ذلك، حوكمة الملكية الفكرية، وإدارة الحقوق، وتقاسم العوائد، ليست دائمًا واضحة أو منصفة لصالح المبدعات، ما يجعل الكثيرًا من الأعمال الإبداعية عرضة للاستغلال، أو السرقة، دون تعويض مناسب.
الإيجابيات: تحول القيود إلى قوة ناعمة
على الجانب الآخر، وفّر الاقتصاد البرتقالي للمرأة الخليجية فضاءات لم تكن متاحة بنفس السعة في قطاعات تقليدية. القطاعات الإبداعية تقوم على رأس مال معرفي ورمزي أكثر من اعتمادها على رأس مال مادي، وهذا يتوافق مع حقيقة أن دول الخليج تمتلك واحدة من أعلى نسب الالتحاق بالتعليم العالي لدى النساء في العالم، وأن الكثير من التخصصات الإبداعية والاتصالية والرقمية أصبحت مفضلة لدى الشابات.
الرؤية الاقتصادية الجديدة في الخليج: من "رؤية السعودية 2030" إلى "الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية" في الإمارات، تضع الصناعات الثقافية والإبداعية في قلب خطط التنويع الاقتصادي، مع أهداف صريحة لرفع مساهمتها إلى نحو 3–4% من الناتج المحلي في السعودية، و5% في الإمارات بحلول مطلع العقد القادم. في هذا السياق، تظهر المرأة الخليجية بصورة لافتة: تقود وكالات إعلانية سعودية، تؤسس شركات إنتاج محتوى رقمي، تدير مهرجانات ومعارض فنية، وتبني علامات تجارية في الموضة والتصميم والأمن السيبراني الإبداعي وغيرها.
وأحد الأمثلة الدالة، هو إطلاق منصات وبرامج موجهة تحديدًا لتمكين الشابات في القطاعات الإبداعية، مثل شبكة "مهيرة" في السعودية التي أُطلقت خلال "مهرجان أثر للإبداع" لتمكين الشابات في التسويق الإبداعي عبر التدريب والإرشاد وبناء القيادة. هذا النوع من المبادرات يفتح أمام المرأة الخليجية مسارات مهنية جديدة في قلب الاقتصاد البرتقالي، ويربط بين التمكين الاقتصادي والتمكين الرمزي والثقافي في آن واحد.
التحديات: عقدة التقاطع بين النوع الاجتماعي والاقتصاد الجديد
التحديات التي تواجه المرأة الخليجية في الاقتصاد البرتقالي ليست مجرد امتدادٍ لتحدياتها في سوق العمل التقليدي، بل تتضاعف بفعل طبيعة الاقتصاد الإبداعي نفسه.
أولًا، هناك تحدي الاستدامة المهنية في قطاع يعتمد بشكل كبير على العمل الحر، والعقود قصيرة الأجل، والمشاريع المتقطعة. فنجد كثيرًا من النساء يدخلن مجالات مثل التصميم الحر، وصناعة المحتوى، والإعلام الرقمي، لكنهن يصطدمن سريعًا بسقف الإرهاق، وضبابية المسار الوظيفي، وعدم وضوح أنظمة الحماية الاجتماعية للمستقلين.
ثانيًا، لا تزال القيود الاجتماعية في بعض البيئات تحدّ من قدرة المرأة على الاستفادة الكاملة من فرص الاقتصاد البرتقالي، خصوصًا عندما يتطلب العمل حضورًا في الفعاليات الليلية، أو سفرًا متكررًا، أو انخراطًا في شبكات مهنية مختلطة. هذه القيود قد تكون أقل حدة مما كانت عليه قبل عقد، لكنها ما زالت تمارس دورًا في تقييد حركة بعض المبدعات أو تقليص طموحاتهن المهنية في مجالات معينة مثل الموسيقى الحية أو إدارة الفعاليات الكبرى.
ثالثًا: فجوة البيانات والمعرفة حقيقية: إذ تعترف تقارير إقليمية عن الصناعات الثقافية والإبداعية في الخليج بأن القطاع ينمو بسرعة، وأنه يُعد من محركات الابتكار وخلق الوظائف، لكنه لا يقدم بعدُ إحصاءات منتظمة ومفصلة حول مساهمة المرأة تحديدًا، لا في القيمة المضافة، ولا في الصادرات الإبداعية. هذه الفجوة تحدّ من قدرة المؤسسات النسائية على الاستشهاد بأرقام قوية في مناصرتها لقضايا المرأة في الاقتصاد البرتقالي.
** خبير إعلامي
